قدوةً للعلماء بالقيام بفريضة الجهاد، وقدوةً للمجاهدين في الحرص على التعلُّم والتعليم، وصار قدوةً لكليهما في الخُلُق الرفيع، والنبل والشجاعة، والإقدام والصدق، والتواضع والزهد.
شارك ذلك العالم الداعية في الدفاع عن أمَّة الإسلام ضدَّ أعتى قوتين معتديتين عليها، فشارك في الجهاد ضد الروس السوفييت، ثم ضدَّ حملة أمريكا الصليبية على الإسلام والمسلمين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فكان عالمًا عاملًا -والله حسيبه-.
وكان على شدَّته على أعداء الله رقيقًا رؤوفًا بالمسلمين، وخاصةً بالأرامل واليتامى، فكان حريصًا على أن يتابع مشاكلهم بنفسه ولا يفوِّضها لغيره، وكان -رحمه الله- على سعة علمه متواضعًا لا يخالطه الغرور ولا العُجب، وقد أخبرني -رحمه الله- عن أنَّه قد تأثَّر بهذه الصفات التي رآها في مشايخه في موريتانيا، وأنَّهم كانوا على سعة علمهم وتبحُّرهم يتواضعون لطلابهم، ولا يمتنعون عن إفادتهم وتعليمهم، ولا يجدون حرجًا في أن يذكروا أنَّهم لا يعرفون إجابة سؤالٍ أو جواب مسألة، وأخبرني أنَّهم أكرموه وإخوانَه، وأغدقوا عليهم من علومهم، وحَبَوهم برعايتهم، وفتحوا لهم بيوتهم بل وزوَّجوهم، وكانت تربطه بهم علاقةٌ روحيَّةٌ قويَّة على رغم تباعد البلاد والمسافات.
ولهذا أصدر هو ورفيق عمره في الطلب والجهاد؛ الشيخ عطية الله -رحمهما الله- رثاءً في شيخيهما: الشيخ بُدَّاه ولد البوصيري، ومحمد سالم ولد عدُّود -رحمهما الله-.
-رثاء وعزاء من الشيخين عطية الله وأبي يحيى الليبي في وفاة عالمي موريتانيا: بُدَّاه ولد البوصيري ومحمد سالم ولد عدُّود رحمهما الله:
كتب الشيخ عطية والشيخ أبو يحيى في رثاء شيخيهما:
"فلقد كتب الله لنا شرفَ التتلمذ عليهما، وحضور بعض حلقهما قبل خمسة عشر عامًا، فكانا بحقٍّ بحرًا لا ساحل له، في العلم، والفهم، والحفظ، والأدب، والوقار، والتواضع، مع تتبُّعٍ لأحوال المسلمين والمجاهدين، والسؤال عن أوضاعهم، والدعاء لهم، ومناصرتهم وتأييدهم."
فعندما كان الجهاد في الجزائر في أَوْج قوته وتمام فتوَّته عام 1994م، وقبل أن يصيبه ما أصابه من المحنة والزلزلة، كان هذان العالمان -وغيرهما من العلماء الشناقطة- مؤيِّدين للمجاهدين هناك تأييدًا تامًّا، محبِّين لهم محبَّة صادقة، ولم نسمع منهما في مجلس من المجالس كلمةً واحدةً تطعن على المجاهدين، أو تشكِّك في شرعيَّة عملهم، أو تُزري بهم وتقلِّل من شأنهم، بل كثيرًا ما كان العلاَّمة محمد سالم -رحمه الله- يستفسر عن أحوالهم وأوضاعهم قبل أن يشرع في درسه وشرحه، ويتهلَّل وجهه حينما يسمع أخبار انتصاراتهم، أمَّا تأييد العلاَّمة