هُم صِنف عَجيب لا يَعرفون الخوف ولا يهابون الموت, أرواحهم على أَكُفِهم كُلما سَمِعوا هَيعة أو فزعة طَاروا إليها يبْتغون القَتل والموت مَظانه.
هم بالحقِ قد صَدعوا, وَلِدعوةِ التَوحيد دَعوا, وإذا قَالوا فَعلوا, تَفطَّرت أقدامهم مِن القِيام, وَذبلت أجسادهم مِن الصيام, وَضعفت أعينهم مِنَ البُكاء وَالناس نِيام.
إذا حَكموا فالعدل مِيزانهم, وإذا تَكلموا فَالحق أقوالهم, وإذا قاتلوا فالويل لأعدائهم, حملوا هَم الأمة فما هدأ بالهم, وأقسموا بالجهاد حتى آخر قَطرة دَم.
علموا أن سَنةَ مُحمَّد صلى الله عليه وسلم سَفينة نَجاة فَتَمَسَّكُوا بِها, وزهدوا في الدنيا فَكأنهم ليسوا مِن أهلها, وَهَمهم الآخرة فكأن القيامة غدا!.
بِهم تُصلح الديار، وَتُعَمَّر الأَمصار، ويُكبت الأَشرار، هُم عِزُ الدين، وتاجُ المُوحدين، وَصفوة العابدين.
بَواطنهم كَظَواهِرهم بل أَحلى، وسرَائرهم كَعلانيتِهم بل أحلى، وَهِمَمُهم عِندَ الثُريا أعلى, إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساءوا استَغفروا، وإذا ابتُلوا صَبروا، وإذا غَضِبُوا غَفَروا.
شُرورهم مأمونة، وَقلوبهم مَحزونة، أنفسهم عفيفة, وحوائجهم خفيفة، صبروا أيامًا قليلة, لِعقبى رَاحة طويلة.
في السِّلم هُداة مُصلِحون، عَالِمون عَامِلون، وفي الحَربِ مُؤمِنون مُحتَسبون، مُجاهدون ثابتون، عُبَّاد لَيلٍ، وأُسْدِ نهار، حَملوا السِلاح في الميدانِ، وَعَلَّقُوا القُلوب وَملئوها بِالقرآنِ، قَاوموا الشهوات، وقاوموا أهل العداوات.
القارئونَ كِتَابَ اللهِ فِي رَهِبٍ ... والواردونَ حِيَاضَ المَوْتِ فِي رَغبٍ
يَعيشون في الدنيا بِقُلوبِ أهل الآخرة, وَيَعيشون فَوق الأرض وقلوبهم تهفو إلى رضا المولى عز وجل ودخول جناته, ورفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
مُخلصون لله رَبّ العالمين، فإذا جاءتهم الدنيا جعلوها في أيديهم ولم يُدخلوها في قُلوبهم، لا يَعبدون الأشخاص, ولا الأهواء, ولا الطاغوت أيا كان فقد تبين لهم الرُشد من الغي, فَكفروا بالطاغوت وآمنوا بالله وحده فاستمسكوا بالعروة الوثقى لا انفصام لها.