ما كان يخرج من ابتلاءٍ حَتى يَقع في غيره! وما ذاك إلا لأن الله تبارك وتعالى يُريد أن يرفع قدره ويُجزل جزاءه قال عليه الصلاة والسلام: «عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ» رواه ابن ماجه في سننه.
وعَنْ سَعْدٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِىُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلاَبَةٌ زِيدَ صَلاَبَةً، وَإِنْ كَانَ فِى دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، وَلاَ يَزَالُ الْبَلاَءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِىَ عَلَى الأَرْضِ مَا لَهُ خَطِيئَةٌ» رواه الدارمي في سننه.
كان تقبله الله كَثير العمل حَتى يُتعبَ جَسده, ولقد رأيته أيام طِوال وهو لا يَستوي على الوقوف مِن شِدةِ التَعب في سبيل الله, وَنرجو الله أن يكون ممن استبدل الله عذابهم في الدنيا بِجناتٍ تجري من تحتها الأنهار, في يومٍ لو غُمِس أَحدُ المؤمنِين غمسةً في الجنةِ وهو أَشد الناسِ بَلاءً في الدنيا فيقولُ: ما رأَيتُ بلاءً قط! يَنسى كلَّ بلائه وشقائه بِغَمسَةٍ واحِدَةٍ، سبحانَ المُنعمِ العَظيمِ!؛ يقول رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يُؤْتَى بِأَشَدِّ المؤْمِنِينَ ضُرًّا وَبَلاءً، فَيُقَالُ: اغْمِسُوهُ فِي الجَنَّةِ، فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً، فَيُقَالُ: أَيْ فُلانُ: هَلْ أَصَابَكَ خَيْرٌ قَط أَوْ بَلاَءٌ؟! فَيَقُولُ: مَا أَصَابَنِي قَطّ ضُرٌّ أَوْ بَلاَءٌ» رواه أحمد ومسلم.
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مُوسَى قَالَ: أَيْ رَبِّ، إِنَّ عَبْدَكَ الْمُؤْمِنَ تَقْتُرُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا!، قَالَ: فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا فَيَقُولُ: يَا مُوسَى، هَذَا مَا أَعْدَدْتُ لَهُ. فَيَقُولُ مُوسَى: وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ، لَوْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ يُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ مُنْذُ يَوْمِ خَلَقْتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ هَذَا مَصِيرَهُ لَمْ يَرَ بُؤْسًا قَطُّ.
قَالَ: ثُمَّ قَالَ مُوسَى: أَيْ رَبِّ، عَبْدُكَ الْكَافِرُ تُوَسِّعُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا!، قَالَ: فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنَ النَّارِ فَيَقُولُ: يَا مُوسَى، هَذَا مَا أَعْدَدْتُ لَهُ. فَقَالَ مُوسَى: أَيْ وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ، لَوْ كَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا مُنْذُ يَوْمَ خَلَقْتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَانَ هَذَا مَصِيرَهُ، لَمْ يَرَ خَيْرًا قَطُّ» رواه أحمد.
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ؛ أَنَّ مُوسَى، أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، قَالَ: يَا رَبِ، كَيْفَ يَكُونُ هَذَا مِنْك؟ أَوْلِيَاؤُك فِي الأَرْضِ خَائِفُونَ يُقْتَلُونَ، وَيُطْلبُونَ وَيُقَّطَّعُون، وَأَعْدَاؤُك يَاكُلُونَ مَا شَاؤُوا، وَيَشْرَبُونَ مَا شَاؤُوا!! وَنَحْوَ هَذَا، فَقَالَ: انْطَلِقُوا بِعَبْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ مَا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، إِلَى أَكْوَابٍ مَوْضُوعَةٍ، وَنَمَارِقَ مَصْفُوفَةٍ وَزَرَابِيِّ مَبْثُوثَةٍ، وَإِلَى الْحُورِ الْعِينِ، وَإِلَى الثِّمَارِ، وَإِلَى الْخَدَمِ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ، فَقَالَ: مَا ضَرَّ أَوْلِيَائِي مَا أَصَابَهُمْ فِي الدُّنْيَا إِذَا كَانَ مَصِيرُهُمْ إِلَى هَذَا؟ ثُمَّ قَالَ: انْطَلِقُوا بِعَبْدِي، فَانْطَلِقْ بِهِ إِلَى النَّارِ، فَيَخْرُجُ مِنْهَا عُنُقٌ فَصُعِقَ الْعَبْدُ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: مَا نَفَعَ أَعْدَائِي مَا أَعْطَيْتُهُمْ فِي الدُّنْيَا إِذَا كَانَ مَصِيرُهُمْ إِلَى هَذَا؟ قَالَ: لاَ شَيْءَ. مصنف ابن أبي شيبة: ج13ص 115.