يوقظني معه، فذات يوم أيقظني وهو يقول: قم قم تأخرنا، اليوم نحن محرومون، ضاع الوقت. فكنت أظن أن الأذان قد صدع أو قارب، فإذا الوقت بقي عليه ساعة ونصف، فكان يرى أن قيام ساعة ونصف فقط عقوبة.
وصدق من قال: سيئات المقربين حسنات الأبرار.
وكان أحد أقاربنا -أنا وأبو عمر- في المستشفى النفسي في الخرج ونحن في القصيم، وعادة طلبة العلم في القصيم أنهم ينتظرون الخميس والجمعة على أحر من الجمر حتى ينجزوا به جداول الطلب من حفظ متن أو قراءة كتاب أو تلخيصه، فقال لي: نريد أن نزور قريبنا في الخرج يوم الخميس بعد الفجر ننطلق، هذه صلة رحم وزيارة مريض، فيها عبادتان. فقلت له: أنت تعرف كيف نحن ننتظر يوم الخميس، وقريبنا لا يحس بنا. فقال: بركة العلم من الله، وليست من المتون، احتسب الأجر ويعوضك شيئا لا يخطر على بالك. فقبلت على مضض.
فذهبنا وكنا كلما وقفنا في مسجدللصلاة يقوم فيلقي موعظة، وإذا دخلنا مطعما يقوم باستئذانهم في إغلاق التلفاز، فأغلقه ذات مرة فقام علينا كل من كان في المطعم وارتفعت الاصوات، فالتفت إليهم ثم قال: الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد فإنكم أهل الإيمان وأهل الإسلام الذين اختارهم الله لحمل دينه ورسالته ولا يليق بكم أن تلطخوا أنفسكم بهذه المعاصي، والله لو رأيتم قبيح منظرها وبشاعة إثرها يوم القيامة لشكرتموني على تخليصكم منها، وبدأ يتكلم بكلام نحو هذا ثم سكت الناس فلم ينته من كلامه حتى قالوا: جزاك الله خيرا معاك الحق. وزرنا قريبنا وكانت فرحته غامرة بنا ثم رجعنا، فحصل لي شئ عجيب، وذلك أني أصبحت أحفظ الصفحة من قراءة مرة واحدة، وكنت أتعجب من نفسي فعهدي بنفسي أن الصفحة تأخذ معي ما لا يقل عن ثلث ساعة، فقلت لأبي عمر فقال: ألم أخبرك أن الطاعة لها بركة في العلم. وليتني استمريت على تلك الطاعات، فقد رجع حفظي إلى ما كان عليه سابقا.