[الكاتب: عبد الهادي العراقي]
تقديم لكتاب"القائد أبو زبيدة؛ هكذا عرفته وهكذا أُسر"
ولئن مت فلست أعدم قبرا ... بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى.
في آخر الزمان، ومن بين ركام الدنيا وحطامها، ومن وسط الضجيج والصخب الذي يملأ أرجاء الدنيا حتى تعالى وتأذى منه كل كائن حي - على وجه الأرض كان أم تحت الماء أو في الهواء - عمّ الجميع نتن الفساد المنتشر ومحاولة الإفساد لما تبقى من الطهر والعفاف والبراءة، وانقلبت قيم الإنسان رأسا على عقب، فأصبح الخير وأهله غرباء، وتمادى الشر وأهله على غيرهم واستعلَوا على من ارتضى العيش بذل وهوان، فكانوا التعساء.
ومن بين هذا الحزن الكئيب المجلل بالسواد، ظهر أمل المسلمين الجديد هناك من فوق سقف العالم.
بلاد عجيبة بعيدة، تسمى"بلاد الأفغان"، بلد يحوى جبال الهندكوش - مهلكة الهنود - جبال وسهول وصحاري نشأ وتربى هؤلاء الأفغان فيها، فكان منهم أحمد بابا والغزنوي، قهروا الهنود ونشروا الإسلام هناك، ثم احتلهم الإنجليز فأبادوهم ولم يبقَ من فلولهم إلا"الدكتور برايدون"صاحب الحظ السعيد من بينهم، فنجى ليرويَ لمن وراءه بشاعة وهول مغامرتهم هناك في بلاد الأفغان.
فأصبحوا بُعبع هذه المناطق.
تجرأ الروس عليهم فاحتلوا بلادهم، ويا ليتهم فكروا قبلها قليلا! فقد كانت فيما بعد نهاية إمبراطوريتهم - ثاني بلد في العالم وأقوى قوة برية فيه -
ونما الأمل الجديد وترعرع في هذه البلاد الصعبة، في الحقبة الأخيرة أثناء الاحتلال السوفياتي لها، وعندما سمع الشباب المسلم الرافض للخضوع للعالم الجديد الزاحف بحضارته الفاسدة المفسدة لكل مبادئ الخير وتعاليم رب العالمين، عندما سمعَ صوت الجهاد الحقيقي ضد المحتل الجديد؛ نفض عن نفسه غبار الزمن المتراكم وأزاح عن كاهله ثِقل كلمات الشعارات الإسلامية البراقة والخطب الرنانة، وركض نحو الإسلام النابض بالحياة الحقيقية التي أمرنا الله بها.
ورافقهم هناك عملاق العلماء العاملين في هذا الزمن؛ الشيخ عبد الله عزام، فقادهم إلى بر الأمان، وأخرجهم من حالة التيه التي كانوا يعيشونها متفرقين متشرذمين في كل أصقاع الأرض بحثا عن أرض تأويهم وعن صدرٍ حانٍ يُوجههم الى الاتجاه الصحيح.
تربى هؤلاء وتجمعوا وبدأوا يقلقون الشر وأهله في كل مكان، بعد أن أذاقوه الضربات المهلكة، حيث توجوها بغزوتي نيو يورك وواشنطن.
وهنا تجمع الكفر وأهله وأعلنت شياطين الإنس والجن حربهم على هذه القلة المؤمنة، التي استطاعت بفضل الله خلال مسيرتها الجهادية في السنوات العشرين الأخيرة؛ أن تحشد كل المسلمين في صف واحد، يقودهم فيها شيوخهم في ميادين المعارك من بين الخنادق والثغور.
وهنا يبدأ التاريخ بكتابة صفحات جديدة من التاريخ البشري أطلقوا عليها مصطلح"ما بعد أحداث سبتمبر".
وهنا أيضًا تبدأ قصة هذا الكتاب الذي أراد مؤلفه - وهو أحد هذه القلة المؤمنة - والذي كان شاهدا لأحداث تشيب لها الولدان، وصمودٍ ومقاومةٍ وبطولاتٍ من جنود الإسلام، لصد الهجمة اليهودية الصليبية العاتية لاجتثاث وتدمير الخط الدفاعي الأول لأُمة الإسلام؛ أن يرويَ على صفحاته بأُسلوبه الجذّاب، قصة أسر بطل من أبطال الإسلام في هذا العصر؛ أخينا أبي زبيدة، الذي أسره الأمريكان بمساعدة من باع دينه في باكستان.
أحداث تلخص لنا مثلا لواحد ممن رفض الركون إلى الدنيا والخنوع لشياطينها والتمرغ في وحلها والرضى بالفضلات التي يرميها اليهود والنصارى لعبيدهم، مقابل الخنوع والسكوت.
وتمثل في عمومها؛ كيف؟ ولماذا؟ وماذا يريد هذا الشباب؟ ولماذا يخاف منهم العالم الغربي؟
انا إن حييت فلست أعدم قوتا
نفس حر ترى المذلة كفرا ... همتي همة الملوك ونفسي
أبو زبيدة؛ الذي نشأ في الغربة، بعد أن اغتصب اليهود أرضه وشردوه، فجمع قواه وأفكاره ونهض لا تثنيه الصعوبات والأهوال، رضع قيم الإسلام وتربى على مبادئه، وتدرب على السلاح في بلاد الأفغان وتمعّك في غبار الخنادق وعطر البارود على توجيهات العالم العامل الشيخ المجاهد عبد الله عزام.
كان أخا للجميع، ورفيقا للصغير والكبير، وخادما لكل من احتاج.
عشت معه أيامًا جميلة وحلوة، ليس فيها مكان للدنيا بل كلها للآخرة - نسأل الله الثبات والقبول -
كان أكبر من سنه، عالي الهمة، صدره مرجلٌ يغلي وهو يشاهد أهله في فلسطين وكشمير وأندونيسيا وأفغانستان والعراق وغيرها، حاول أن يجعل لدم المسلمين قيمة وأن يعيد لأمته الهيبة والمكانة.
أخيرا ...
عذرا أبا زبيدة ... عذرا ألف مرة ... وعذرا يا ابن الشيخ الليبي ... عذرا ألف مرة ... وعذرا لكل الأسارى عذرا ألف مرة ...
تأخرنا في إخراجكم، ولكنا - قسما - لن نعرف اليأس، فقد علمتمونا ما يكفي، لن أنساكم، وموعدنا - بإذن الله عز وجل - مرة أخرى في خنادق القتال، لن يهدأ لنا بال ولم ولن نضع السيف حتى نرى عز هذا الدين وعز أهله ونراكم بخير، فإن لم يكن لنا نصيب الاجتماع بكم في هذه الدنيا؛ فندعوا الله أن يجمعنا في جنات الفردوس الأعلى مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام.
{الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} .
{إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى. وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلهًا لقد قلنا إذًا شططا} .
أبو عبد الله
عبد الهادي العراقي
6/جمادي الثاني/1424 هـ