لم تكن بيني وبين أحد من الإخوة في طريق الجهاد ممن عاشرتهم أُخُوَّةٌ مثل تلك التي كانت بيني وبين أخي أبي البراء، سوى ما كان بيني وبين أخي طلال مَجْرَدْ"غريب الصنعاني" [1] -رحمه الله-، إلّا أن الفترة الأطول والأصعب في أرض الجهاد وما تبع ذلك كانت مع أبي البراء، حيث كانت ثمان سنوات تقريبًا، ابتداءً من أول يوم عزمنا فيه على السفر، وبدأنا بالتجهيز له، إلى أن قتل -رحمه الله-.
سأتحدث إن شاء الله عن تلك الفترة بإيجاز:
لم يكن قد مضى على التزامه سوى عام واحد عندما تعرفت عليه، وعام واحد تقريبًا لم نفترق يه حتى يسر الله لنا السفر إلى أفغانستان.
وهناك دخلنا معسكرات التدريب، ثم انتقلنا إلى الخط الأول شمال كابل -خط بجرام- بعد مقتل أحمد شاه مسعود وغزوتي نيويورك وواشنطن بأسبوعين تقريبًا، ومكثنا هناك إلى أن انسحبنا في السابع والعشرين من شهر شعبان باتجاه جلال أباد بعد انكسار الخط، وصعدنا جبال تورابورا في أول يوم من رمضان من نفس العام.
خلال تلك الفترة كانت تتجلى لي صفات ذلك الشاب الخلوق وتظهر لي فيه صفات أخرى تضاف إلى تلك التي عرفتها ولمستها فيه في صنعاء، وكما قيل إن السفر سمي سفرًا لأنّه يُسْفِرُ عن أخلاق صاحبه، وكذلك الشدائد والمحن تظهر معادن الرجال.
لقد وجدت في أخي أبي البراء -رحمه الله- من الصفات: التقوى-أحسبه كذلك والله حسيبه-، ولين الجانب، وحسن العشرة، وسلامة الصدر، وصدق اللهجة، وغض البصر، والرحمة بالمؤمنين، والشدة على الكافرين، وكثير من الأخلاق والصفات الحميدة التي لمسنها ولمسها منه كل من عرفه وعاشره.
لقد كان أخي أبو البراء بهذه الصفات بالنسبة لي خير معين ومساند ومؤانس، وأقتبس هنا من كلام الشيخ عبد الله عزام -رحمه الله- فأقول: كلما ودعت أخًا قتل شهيدًا على هذا الطريق -طريق الجهاد- علمت أنني لم أصلح للشهادة بعد؛ لأن للشهداء صفات وأخلاق لم صل إلى بعضها إلى الآن.
(1) - كان أمير العرب في شمال أفغانستان بعد مقتل عبد السلام الحضرمي -رحمهما الله-، وهو من أوائل من قتلوا في قلعة جانكي، لم يتجاوز عمره آنذاك الثالثة والعشرين، ومن رجاحة عقله وحسن تدبيره وتصرفه وقوة شخصيته كان الإخوة يظنون أن عمره فوق الثلاثين.