14 -يَجُوزُ إقْرَارُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالصُّلْحُ مَعَهُمْ عَلَى إبْقَاءِ صُلْبَانِهِمْ , وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُظْهِرُوهَا , بَلْ تَكُونُ فِي كَنَائِسِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ الْخَاصَّةِ . وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: إنَّ الْمُرَادَ بِكَنَائِسِهِمْ كَنَائِسُهُمْ الْقَدِيمَةُ الَّتِي أُقِرُّوا عَلَيْهَا . وَفِي عَهْدِ عُمَرَ رضي الله عنه الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى نَصَارَى الشَّامِ"بسم الله الرحمن الرحيم . هَذَا كِتَابٌ لِعُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نَصَارَى الشَّامِ: لِمَا قَدِمْتُمْ عَلَيْنَا سَأَلْنَاكُمْ الْأَمَانَ . إلَى أَنْ قَالُوا: وَشَرَطْنَا لَكُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا أَنْ لَا نُظْهِرَ صَلِيبًا وَلَا كِتَابًا ( أَيْ مِنْ كُتُبِ دِينِهِمْ ) فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَسْوَاقِهِمْ , وَلَا نُظْهِرُ الصَّلِيبَ فِي كَنَائِسِنَا إلَخْ"وَقَوْلُهُمْ:"فِي كَنَائِسِنَا"الْمُرَادُ بِهِ خَارِجَهَا مِمَّا يَرَاهُ الْمُسْلِمُ . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ التَّصْلِيبِ عَلَى أَبْوَابِ كَنَائِسِهِمْ وَظَوَاهِرِ حِيطَانِهَا , وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ إذَا نَقَشُوا دَاخِلَهَا . وَعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ: أَنْ يُمْنَعَ نَصَارَى الشَّامِ أَنْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا , وَلَا يَرْفَعُوا صَلِيبَهُمْ فَوْقَ كَنَائِسِهِمْ , فَإِنْ قَدَرَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ سَلَبَهُ لِمَنْ وَجَدَهُ . وَكَذَا لَوْ جَعَلُوا ذَلِكَ فِي مَنَازِلِهِمْ وَأَمَاكِنِهِمْ الْخَاصَّةِ لَا يُمْنَعُونَ مِنْهُ . وَيُمْنَعُونَ مِنْ لُبْسِ الصَّلِيبِ وَتَعْلِيقِهِ فِي رِقَابِهِمْ أَوْ أَيْدِيهِمْ , وَلَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ بِذَلِكَ الْإِظْهَارِ , وَلَكِنْ يُؤَدَّبُ مِنْ فِعْلِهِ مِنْهُمْ . وَيُلَاحَظُونَ فِي مَوَاسِمِ أَعْيَادِهِمْ بِالذَّاتِ , إذْ قَدْ يُحَاوِلُونَ إظْهَارَ الصَّلِيبِ فَيُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ , لِمَا فِي عَهْدِ عُمَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ إظْهَارِهِ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ . وَيُؤَدَّبُ مَنْ فَعَلَهُ مِنْهُمْ , وَيُكْسَرُ الصَّلِيبُ الَّذِي يُظْهِرُونَهُ , وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ كَسَرَهُ .
وفي البحر الزخار:
"مَسْأَلَةٌ": ( هـ ) وَيَلْزَمُونَ زِيًّا يَتَمَيَّزُونَ بِهِ (1)
كَالصُّفْرَةِ لِلْيَهُودِ , وَالدُّكْنَةِ لِلنَّصَارَى وَالسَّوَادِ لِلْمَجُوسِ , وَيُشَدُّ عَلَيْهِمْ الزُّنَّارُ وَهُوَ خَيْطٌ غَلِيظٌ فَوْقَ ثِيَابِهِمْ , وَيُجْعَلُ فِي عُنُقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَاتَمٌ مِنْ رَصَاصٍ أَوْ صُفْرٍ يُعْرَفُ بِهِ عِنْدَ تَعَرِّيهِ فِي الْحَمَّامِ وَغَيْرِهِ , فَإِنْ طَوَّلُوا الشَّعْرَ جُزَّتْ نَوَاصِيهِمْ , إذْ أَمَرَ 2 بِذَلِكَ وَلَا يَرْكَبُونَ عَلَى الْأُكُفِ إلَّا عَرْضًا , وَيُمْنَعُونَ السِّلَاحَ وَلُبْسَ الدِّيبَاجِ وَرَفِيعَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَرُكُوبَ الْخَيَلِ وَالْبِغَالِ , لَا الْحَمِيرُ وَالْخَسِيسُ مِنْهُمَا , لَكِنْ يُجْعَلُ سَرْجُهَا مِنْ خَشَبٍ وَسُيُورُهَا مِنْ لِيفٍ , إذْ عَامَلَهُمْ 2 بِذَلِكَ وَلَمْ يُنْكَرْ , وَتُزَنَّرُ النِّسَاءُ كَالرِّجَالِ , وَيُلْجَئُونَ إلَى مَضَايِقِ الطَّرِيقِ وَيُمْنَعُونَ صُدُورَ الْمَجَالِسِ وَتَطْوِيلَ الْأَبْنِيَةِ حَتَّى تُسَاوِي أَبْنِيَةَ الْمُسْلِمِينَ وَزَخْرَفَتَهَا وَتَحْسِينَ أَبْوَابِهَا , إذْ الْإِسْلَامُ يَعْلُو , وَعَنْ إظْهَارِ شُرْبِ الْخَمْرِ وَبَيْعِهَا وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَضَرْبِ النَّاقُوسِ وَإِظْهَارِ قِرَاءَةِ كُتُبِهِمْ وَعِبَادَةِ الصُّلْبَانِ وَالزِّينَةِ فِي أَعْيَادِهِمْ وَرَفْعِ الصَّوْتِ عَلَى مَوْتَاهُمْ وَعَنْ تَكْوِيرِ الْعَمَائِمِ فَوْقَ ثَلَاثِ طَاقَاتٍ , وَإِرْسَالِ الذَّوَائِبِ وَتَرْجِيلِ الشَّعْرِ وَالْخَوَاتِمِ الْفِضِّيَّةِ وَالذَّهَبِيَّةِ وَالْفُصُوصِ إلَّا مَا لَا زِينَةَ فِيهِ كَالزُّجَاجِ , وَتُقَامُ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ وَيَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوا , وَإِذَا تَرَافَعُوا إلَيْنَا حَكَمْنَا بِشَرِيعَتِنَا إلَّا ضَمَانَ مَا أُقِرُّوا عَلَيْهِ كَالْخَمْرِ .
(1) -البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار - زيدية - (ج 16 / ص 319)