فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 743

55 -الْإِمَامُ الْجَائِرُ: هُوَ الَّذِي يَقُومُ بِتَدْبِيرِ شُئُونِ الْأُمَّةِ وَفْقَ هَوَاهُ , فَيَقَعُ مِنْهُ الْجَوْرُ وَالظُّلْمُ عَلَى النَّاسِ وَإِذَا طَلَبَ الْإِمَامُ الْجَائِرُ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَدَاؤُهَا إلَيْهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَإِذَا أَدَّى الذِّمِّيُّ الْجِزْيَةَ إلَى الْإِمَامِ الْجَائِرِ سَقَطَتْ عَنْهُ وَلَا يُطَالَبُ بِهَا مَرَّةً ثَانِيَةً مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ . قَالَ الْكَاسَانِيُّ: وَأَمَّا سَلَاطِينُ زَمَانِنَا الَّذِينَ أَخَذُوا الصَّدَقَاتِ وَالْعُشُورَ وَالْخَرَاجَ لَا يَضَعُونَهَا مَوَاضِعَهَا , فَهَلْ تَسْقُطُ هَذِهِ الْحُقُوقُ عَنْ أَرْبَابِهَا ؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ , ذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ أَنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ كُلُّهُ , وَإِنْ كَانُوا لَا يَضَعُونَهَا فِي أَهْلِهَا , لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لَهُمْ فَيَسْقُطُ عَنْهُ بِأَخْذِهِمْ , ثُمَّ إنَّهُمْ إنْ لَمْ يَضَعُوهَا مَوَاضِعَهَا فَالْوَبَالُ عَلَيْهِمْ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَعِيدٍ: إنَّ الْخَرَاجَ يَسْقُطُ , وَلَا تَسْقُطُ الصَّدَقَاتُ لِأَنَّ الْخَرَاجَ يُصْرَفُ إلَى الْمُقَاتِلَةِ , وَهُمْ يَصْرِفُونَ إلَى الْمُقَاتِلَةِ وَيُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ , أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ الْعَدُوُّ فَإِنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ وَيَذُبُّونَ عَنْ حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ , فَأَمَّا الزَّكَوَاتُ وَالصَّدَقَاتُ فَإِنَّهُمْ لَا يَضَعُونَهَا فِي أَهْلِهَا . وَاسْتَدَلُّوا لِوُجُوبِ طَاعَةِ الْإِمَامِ الْجَائِرِ فِي طَلَبِ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ بِمَا يَلِي: أ - مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: { كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ , كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ , وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي . وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ وَيَكْثُرُونَ . قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ فَقَالَ: أَوْفُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ , ثُمَّ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ , فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ } . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: فِي بَيَانِ مَعْنَى"أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ"- أَيْ ادْفَعُوا إلَى الْأُمَرَاءِ حَقَّهُمْ الَّذِي لَهُمْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَقَبْضُهُ , سَوَاءٌ كَانَ يَخْتَصُّ بِهِمْ أَوْ يَعُمُّ , وَذَلِكَ مِنْ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ كَالزَّكَاةِ , وَفِي الْأَنْفُسِ كَالْخُرُوجِ إلَى الْجِهَادِ . ب - وَمَا رُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم: { أَنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ ؟ قَالَ: تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ , وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ } . ج - وَمَا رُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم: { إنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ , أَسْوَدُ , يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا } .

3 -دَفْعُ الْجِزْيَةِ إلَى الْبُغَاةِ :

56 -الْبُغَاةُ: هُمْ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى التَّأْوِيلِ وَيَخْرُجُونَ عَلَى الْإِمَامِ , أَوْ يَمْتَنِعُونَ عَنْ الدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ , أَوْ يَمْنَعُونَ حَقًّا وَجَبَ عَلَيْهِمْ كَالزَّكَاةِ وَشِبْهِهَا , فَيُدْعَوْنَ إلَى الرُّجُوعِ لِلْحَقِّ . فَإِذَا غَلَبَ أَهْلُ الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ وَنَصَبُوا إمَامًا , فَجَبَى الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ , فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى سُقُوطِ الْجِزْيَةِ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِدَفْعِهَا إلَى الْبُغَاةِ , وَلَكِنْ يَأْخُذُ مِنْهُمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ: بِأَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَمْ يُطَالِبْهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جُبِيَ مِنْهُمْ . قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: وَلِأَنَّ حَقَّ الْإِمَامِ فِي الْجِبَايَةِ مَرْهُونٌ بِالْحِمَايَةِ , وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ عِنْدَ تَغَلُّبِ الْبُغَاةِ عَلَى بَلْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ . وَلِأَنَّ فِي تَرْكِ احْتِسَابِهَا ضَرَرًا عَظِيمًا وَمَشَقَّةً كَبِيرَةً , فَإِنَّ الْبُغَاةَ قَدْ يَغْلِبُونَ عَلَى الْبِلَادِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ وَتَتَجَمَّعُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مَبَالِغُ طَائِلَةٌ لَا يُطِيقُونَهَا . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ دَفَعَ الْجِزْيَةَ إلَى الْبُغَاةِ الْإِعَادَةُ , لِأَنَّهُ أَعْطَاهَا إلَى مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ صَحِيحَةٌ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهَا آحَادُ الرَّعِيَّةِ غَصْبًا .

حُكْمُ دَفْعِ الْجِزْيَةِ إلَى الْمُحَارِبِينَ"قُطَّاعِ الطُّرُقِ":

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت