ورسوله فإن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم ) ذكر سبحانه هذه الآية عقيب قوله ( ^ ومنهم الذين يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون هو أذن ) فجعلهم مؤذين له بقولهم هو أذن ثم قال ( ^ ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله ) فجعلهم بهذا محادين ومعلوم قطعا أن من أظهر مسبة الله ورسوله والطعن في دينه أعظم محادة له ولرسوله وإذا ثبت أنه محاد فقد قال تعالى ( ^ إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين ) والأذل أبلغ من الذليل ولا يكون أذل حتى يخاف على نفسه وماله لأن من كان دمه وماله معصوما لا يستباح فليس بأذل يدل عليه قوله تعالى ( ^ ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ) فبين سبحانه أنهم أينما ثقفوا فعليهم الذلة إلا مع العهد فعلم أن من له عهد وحبل يأمن به على نفسه وماله لا ذلة عليه وإن كانت عليه المسكنة فإن المسكنة قد تكون مع عدم الذلة وقد جعل سبحانه الحادين في الأذلين فلا يكون لهم عهد إذ العهد ينافي الذلة كما دلت عليه الآية وهذا ظاهر فإن الأذل ليس له قوة يمتنع بها ممن أراده بسوء فإذا كان له من المسلمين عهد يجب عليهم به نصره ومنعه فليس بأذل فثبت أن المحاد لله ورسوله لا يكون له عهد يعصمه .
الدليل الثامن قوله تعالى ( ^ إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم ) والكبت الإذلال والخزي والتصريع على الوجه . قال النضر وابن قتيبة هو الغيظ والحزن . وقال اهل التفسير كبتوا أهلكوا وأخزوا وحزنوا وإذا كان المحاد مكبوتا فلو كان آمنا على نفسه وماله لم يكن مكبوتا بل مسرورا جذلا يشفي صدره من الله ورسوله آمنا على دمه وماله فأين الكبت إذن?
ويدل عليه قوله ( ^ كبتوا كما كبت الذين من قبلهم ) فخوفهم بكبت نظير كبت من قبلهم وهو الإهلاك من عنده أو بأيدي عباده وأوليائه . وقوله ( ^ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) عقيب قوله ( ^ إن الذين يحادون الله ورسوله ) دليل على أن المحادة مغالبة ومعاداة حتى يكون أحد المحادين غالبا وهذا إنما يكون بين أهل الحرب لا أهل السلم فعلم أن المحاد ليس بمسالم فلا يكون له أمان مع المحادة وقد جرت سنة الله سبحانه أن الغلبة لرسله بالحجة والقهر فمن أمر منهم بالحرب نصر على عدوه ومن لم يؤمر بالحرب أهلك عدوه . يوضحه أن المحادة مشاقة لأنها من الحد والفصل والبينونة وكذلك المشاقة من الشق وكذلك المعاداة من العدوة وهي الجانب يكون أحد العدوين في شق وجانب وحد وعدوه الآخر في غيرها والمعنى في ذلك كله معنى المقاطعة والمفاصلة وذلك لا يكون إلا مع انقطاع الحبل الذي بيننا وبين أهل العهد لا يكون مع اتصال الحبل أبدا . يوضحه أن الحبل وصلة وسبب فلا يجامع المفاصلة والمباينة . وأيضا فإنها إذا كانت بمعنى المشاقة فقد قال تعالى ( ^ فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ) فأمر بضرب أعناقهم وعلل ذلك بمشاقتهم ومحادتهم وكل من فعل ذلك وجب أن يضرب عنقه وهذا دليل تاسع في المسألة . وترتيبه هكذا هذا مشاق لله ورسوله والمشاق لله ورسوله مستحق ضرب العنق وقد تبينت صحة المقدمتين . ونظير هذا الاستدلال قوله تعالى ( ^ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ) والتعذيب في الدنيا هو القتال والإهلاك ثم علل ذلك بالمشاقة وآخر عنهم ذلك التعذيب لما سبق من كتابة الجلاء عليهم فمن وجدت منه المشاقة من غيرهم ممن لم يكتب عليه الجلاء استحق عذاب الدنيا الذي أخره عن أولئك وهذا دليل عاشر في المسألة .
الدليل الحادي عشر قوله تعالى ( ^ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ) وهذه الأفعال أذى لله ورسوله قطعا بل أذى الله ورسوله يحصل بدونها . وقال تعالى ( ^ أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ) فيجب أن يكون هذا الملعون في الدنيا والآخرة عادم النصير بالكلية فلو كان ماله ودمه معصومين لوجب على المسلمين نصرته وكانوا كلهم أنصاره وهذا مخالفة صريحة لقوله ( ^ فلن تجد له نصيرا ) . يوضحه الدليل الثاني عشر وهو أن هذا مؤذ لله ورسوله فتزول العصمة عن نفسه وماله لقول النبي صلى الله عليه وسلم من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله? فندب إلى قتله بعد العهد وعلل ذلك بكونه آذى الله ورسوله وستأتي قصته إن شاء الله تعالى .
الدليل الثالث عشر قوله تعالى ( ^ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ) فمد قتالهم إلى أن ينتهوا عن أسباب الفتنة وهي الشرك وأخبر أنه لا عدوان إلا على الظالمين والمجاهر بالسب والعدوان على الإسلام غير منته فقتاله واجب إذاكان غير مقدور عليه وقتله مع القدرة حتم وهو ظالم فعليه العدوان الذي نفاه عمن انتهى وهو القتل والقتال وهذا بحمد الله في غاية الوضوح .