أ - أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُونَ عَلَى الْإِمَامِ جَمَاعَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ شَوْكَةٌ , وَخَرَجُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ لِإِرَادَةِ خَلْعِهِ بِتَأْوِيلٍ فَاسِدٍ . فَلَوْ خَرَجَ عَلَيْهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَكَانُوا حَرْبِيِّينَ لَا بُغَاةً . وَلَوْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلَا طَلَبِ إمْرَةٍ لَكَانُوا قُطَّاعَ طَرِيقٍ , وَكَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قُوَّةٌ وَمَنَعَةٌ , وَلَا يُخْشَى قِتَالُهُمْ , وَلَوْ كَانُوا مُتَأَوِّلِينَ . وَلَوْ خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ بِحَقٍّ - كَدَفْعِ ظُلْمٍ - فَلَيْسُوا بِبُغَاةٍ , وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتْرُكَ الظُّلْمَ وَيُنْصِفَهُمْ , وَلَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ مَعُونَةُ الْإِمَامِ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى الظُّلْمِ , وَلَا أَنْ يُعِينُوا تِلْكَ الطَّائِفَةَ الْخَارِجَةَ ; لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى خُرُوجِهِمْ , وَاتِّسَاعِ الْفِتْنَةِ , وَقَدْ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَيْقَظَ الْفِتْنَةَ . وَأَمَّا مَنْ خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ بِمَنَعَةٍ , بِتَأْوِيلٍ يُقْطَعُ بِفَسَادِهِ , مُسْتَحِلِّينَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ , مِمَّا كَانَ قَطْعِيَّ التَّحْرِيمِ , كَتَأْوِيلِ الْمُرْتَدِّينَ , فَلَيْسُوا بِبُغَاةٍ ; لِأَنَّ الْبَاغِيَ تَأْوِيلُهُ مُحْتَمِلٌ لِلصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ , وَلَكِنَّ فَسَادَهُ هُوَ الْأَظْهَرُ , وَهُوَ مُتَّبِعٌ لِلشَّرْعِ فِي زَعْمِهِ , وَالْفَاسِدُ مِنْهُ مُلْحَقٌ بِالصَّحِيحِ , إذَا ضُمَّتْ إلَيْهِ الْمَنَعَةُ فِي حَقِّ الدَّفْعِ .
ب - أَنْ يَكُونَ النَّاسُ قَدْ اجْتَمَعُوا عَلَى إمَامٍ وَصَارُوا بِهِ آمَنِينَ , وَالطُّرُقَاتُ بِهِ آمِنَةٌ ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَكُونُ عَاجِزًا , أَوْ جَائِرًا ظَالِمًا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ وَعَزْلُهُ , إنْ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ فِتْنَةٌ , وَإِلَّا فَالصَّبْرُ أَوْلَى مِنْ التَّعَرُّضِ لِإِفْسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ .
ج - أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ عَلَى سَبِيلِ الْمُغَالَبَةِ , أَيْ بِإِظْهَارِ الْقَهْرِ . وَقِيلَ: بِالْمُقَاتَلَةِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ يَعْصِي الْإِمَامَ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُغَالَبَةِ لَا يَكُونُ مِنْ الْبُغَاةِ , فَمَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ إظْهَارِ الْقَهْرِ لَا يَكُونُ بَاغِيًا .
د - وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِاشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ لِلْخَارِجِينَ مُطَاعٌ فِيهِمْ , يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إمَامًا مَنْصُوبًا ; إذْ لَا شَوْكَةَ لِمَنْ لَا مُطَاعَ لَهُمْ . وَقِيلَ: بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ إمَامٌ مَنْصُوبٌ مِنْهُمْ , هَذَا وَلَا يُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِ الْبَغْيِ انْفِرَادُهُمْ بِنَحْوِ بَلَدٍ وَلَكِنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ لِمُقَاتَلَتِهِمْ .