فهرس الكتاب
أَعْطَاهُمْ الْقِيمَةَ وَأَجْلَاهُمْ مِنْهَا . وَقَدْ خَصَّصُوا عُمُومَ الْأَحَادِيثِ الْأُخْرَى السَّابِقَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ , وَبِفِعْلِ عُمَرَ فِي مَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: فَأَمَّا إخْرَاجُ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنْهُ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَالَحَهُمْ عَلَى تَرْكِ الرِّبَا , فَنَقَضُوا عَهْدَهُ . فَكَأَنَّ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ أُرِيدَ بِهَا الْحِجَازُ . وَلَا يُمْنَعُونَ أَيْضًا مِنْ أَطْرَافِ الْحِجَازِ كَتَيْمَاءَ وَفَيْدٍ ; لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ:"إنْ سَأَلَ مَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ أَنْ يُعْطِيَهَا وَيَجْرِيَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ , عَلَى أَنْ يَسْكُنَ الْحِجَازَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ , وَالْحِجَازُ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَمَخَالِيفُهَا كُلُّهَا , لِأَنَّ تَرْكَهُمْ يَسْكُنُونَ الْحِجَازَ مَنْسُوخٌ . وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم اسْتَثْنَى عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ حِينَ عَامَلَهُمْ فَقَالَ: { نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِإِجْلَائِهِمْ مِنْ الْحِجَازِ } . وَلَا يَجُوزُ صُلْحُ ذِمِّيٍّ عَلَى أَنْ يَسْكُنَ الْحِجَازَ بِحَالٍ". وَقَالَ:"لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا أَجْلَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ الْيَمَنِ , وَقَدْ كَانَتْ بِهَا ذِمَّةٌ , وَلَيْسَتْ بِحِجَازٍ , فَلَا يُجْلِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ الْيَمَنِ , وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى مُقَامِهِمْ بِالْيَمَنِ". وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ:"يُقَرُّونَ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ إلَّا بِالْحِجَازِ , وَهِيَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَنَجْدُ وَمَخَالِيفُهَا وَالْوَجُّ وَالطَّائِفُ وَخَيْبَرُ مِنْ مَخَالِيفِ الْمَدِينَةِ , وَهَلْ يَدْخُلُ الْيَمَنُ فِي ذَلِكَ ؟ فِيهِ خِلَافٌ , إذْ قِيلَ تَنْتَهِي جَزِيرَةُ الْعَرَبِ إلَى أَطْرَافِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ". وَذَكَرَ الرَّمْلِيُّ الْأَحَادِيثَ فِي إخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ , ثُمَّ قَالَ:"لَيْسَ الْمُرَادُ جَمِيعَ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ بَلْ الْحِجَازُ مِنْهَا , لِأَنَّ عُمَرَ أَجْلَاهُمْ مِنْهُ , وَأَقَرَّهُمْ بِالْيَمَنِ مَعَ أَنَّهُ مِنْهَا . وَهُوَ - أَيْ الْحِجَازُ - مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَقُرَاهَا , كَالطَّائِفِ وَجَدَّةَ وَخَيْبَرَ , وَيَنْبُعَ".
بَحْرُ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْجُزُرِ (1) :
6 -قَالَ الشَّافِعِيُّ:"لَا يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ رُكُوبِ بَحْرِ الْحِجَازِ - أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْعُبُورِ - وَيُمْنَعُونَ مِنْ الْمُقَامِ فِي سَوَاحِلِهِ . وَكَذَا إنْ كَانَتْ فِي بَحْرِ الْحِجَازِ جَزَائِرُ وَجِبَالٌ تُسْكَنُ مُنِعُوا مِنْ سُكْنَاهَا ; لِأَنَّهَا مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ". وَصَرَّحَ الرَّمْلِيُّ بِأَنَّ الْجُزُرَ يُمْنَعُونَ مِنْ سُكْنَاهَا , مَسْكُونَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَسْكُونَةٍ . وَقَالَ: قَالَ الْقَاضِي: لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الْإِقَامَةِ فِي مَرْكَبٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ , أَيْ إذَا كَانَ بِمَوْضِعٍ وَاحِدٍ . وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ تَعَرُّضًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .
8 -يَرَى الْجُمْهُورُ , وَمَعَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْكَافِرِ دُخُولُ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ بِحَالٍ . وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِصُلْحٍ أَوْ إذْنٍ . وَلِمَعْرِفَةِ تَفْصِيلِ ذَلِكَ ( ر: حَرَمٌ ) . وَأَمَّا حَرَمُ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ دُخُولِهِ لِرِسَالَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ حَمْلِ مَتَاعٍ . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ ( الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ ) .
9 -وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ - مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ - فَلَا يَدْخُلُهُ الْكَافِرُ إلَّا بِإِذْنٍ أَوْ صُلْحٍ . وَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ . فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ دَخَلَ - أَيْ الذِّمِّيُّ - أَرْضَ الْعَرَبِ لِتِجَارَةٍ جَازَ , وَلَا يُطِيلُ , فَيُمْنَعُ أَنْ يُطِيلَ فِيهَا الْمُكْثَ , حَتَّى يَتَّخِذَ فِيهَا مَسْكَنًا ; لِأَنَّ حَالَهُمْ فِي الْمُقَامِ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ مَعَ الْتِزَامِ الْجِزْيَةِ , كَحَالِهِمْ فِي غَيْرِهَا بِلَا جِزْيَةٍ , وَهُنَاكَ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ التِّجَارَةِ , بَلْ مِنْ إطَالَةِ الْمُقَامِ , فَكَذَلِكَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ . وَقَدْ قَدَّرَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِسَنَةٍ . قَالَ صَاحِبُ الِاخْتِيَارِ: لِأَنَّهَا مُدَّةٌ تَجِبُ فِيهَا الْجِزْيَةُ , فَتَكُونُ الْإِقَامَةُ لِمَصْلَحَةِ الْجِزْيَةِ .
(1) - موجود بالمطبوع وليس في الشاملة