فهرس الكتاب
وأما المستفيد ، فلا يستفيد من هذا البيان إلا أعداء الله ورسوله والمؤمنين لأن أي محاولة لتغيير أو تحوير في ثوابت الإسلام ومفاهيمه لن تصب إلا في مصلحتهم، ولن تؤدي إلا إلى تزييف وعي الشعوب المسلمة ، وبالتالي رواج الأباطيل بينها ، وسهولة انقيادها للطواغيت .
وأما الرضا ، فإن هذا البيان لا يرضي الله ولا رسوله ولا المؤمنين ؛ لأنه لايمكن الرضا بما فيه خروج على أحكام الشريعة .
وأخيرًا فلي رجاء: هل أطمع في بيان آخر يتم فيه الرجوع إلى الحق والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ، ولأن يكون المرء ذيلًا في الحق خير له من أن يكون رأسًا في الباطل ، آمل ذلك ، لا سيما أنكم إناس مسلمون تحبون الله ورسوله وتودون خدمة دينكم ، وإن شاء الله لن يخيب ظني فيكم ولعل هذا البيان كان فرصة لنا لنقدم هذه الأمور التي ربما تكون قد غابت عن بعضهم ، لا سيما وأن بعض المناوئين لأحكام الشريعة ، يبثون مثل هذه الأقوال في مقالاتهم وأحاديثهم .
والله الموفق والهادي إلى صراط مستقيم .
(1) صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير ح/1731 .
(2) تفسير ابن كثير 2/108 ، فتح الباري 13/196 .
(3) البخاري كتاب الاعتصام بالسنة باب/14 ، ح/7320 .
(4) فتح الباري 13/201 .
(5) أبو داود 4/314 ، مسند أحمد 3/142 وصحح إسناده أحمد شاكر والألباني .
(6) البخاري كتاب الاستئذان باب 22 ، ح/6258 .
الموقف من الرأي الآخر نظرة شرعية
محمد بن شاكر الشريف
مع الحملة العسكرية المتصاعدة التي ابتدأتها راعية الصليب في العصر الحاضر على بعض الدول الإسلامية، والتي ينتظر ـ حسب ما يخطط له الصليبيون والصهيونيون ـ أن تعم دول العالم الإسلامي ـ عربًا وعجمًا ـ بدأ يكثر الكلام وترتفع الأصوات في وسائل النشر المتعددة بالحديث عن «الآخر» ، حتى أصبح هذا اللفظ بمثابة مصطلح يُتداول بين الكُتَّاب، وفي المناقشات والحوارات، وبدأت تغزو أسماعنا مقولات: «ما الموقف من الآخر» و «العلاقة بالآخر» و «ينبغي أن لا تنفي الآخر» و «ينبغي التسامح مع الآخر» ، «التعاون مع الآخر» ولا بد أن يكون هناك «موقف حضاري وتعددي من الآخر» ومطلوب «القبول بالتعددية والاعتراف بالآخر» و «الاعتراف بحق الآخر في التعبير عن وجوده، وأفكاره بعيدًا عن ضغوط الإكراه وموجات النفي والإلغاء» و «إعادة الاعتبار إلى الآخر وجودًا ورأيًا ومشاعر» و «اكتشاف العناصر والمفردات الداخلية والخارجية التي تضيّق الهوة مع الآخر» .
تلك عينة من العينات التي باتت تتردد على ألسنة الكثير من المفكرين العصرانيين. والمقصود بالآخر في هذا الكلام «غير المسلم» أي الكافر، وهذا الكلام موجه للمسلمين، ومن يطالعه يخيل إليه من النظرة الأولى أن المسلمين جماعة من المتخلفين المتوحشين الذين يعيشون حياة بعيدة عن معاني الرقي والتمدن والحضارة، وأنهم لا ينظرون إلا لأنفسهم إما جهلًا وانغلاقًا، وإما تجبرًا وكبرًا، ثم يدلي كل من هؤلاء الكتاب والمتحدثين برأيه في تعليم المسلمين كيف يكونون متحضرين متقدمين في تعاملهم مع «الآخر» وفي النظرة إلى «الآخر» وموقفهم من «أفكار الآخر» ، وسأحاول بعون الله أن ألقي الضوء على هذه القضية على النحو التالي:
مَنِ «الآخر» ؟
كثير من المواطن المطروحة للنقاش في هذا الموضوع تذكر كلمة «الآخر» دون بيان المراد منها، وفي بعضها يبين أن المراد هو «غير الإسلامي» ، ولفظ «الآخر» لغةً لا يحمل قيمة دلالية تتعدى أو تتجاوز معنى لفظ «غير» دون أن يكون في ذلك دلالة على المخالفة أو الموافقة؛ فالآخر قد يكون منا، وقد يكون من غيرنا. قال الله ـ تعالى ـ: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} [الجمعة: 3] قال ابن جرير: «عنى بذلك كل لاحق لحق بالذين كانوا صحبوا النبي -صلى الله عليه وسلم- في إسلامهم من أي الأجناس؛ لأن الله ـ عز وجل ـ عمَّ بقوله: وآخرين منهم» (1) ؛ فهنا وصف «الآخر» بأنه منهم، مما يعني أن «الآخر» قد يراد به المخالف، كما يراد به الموافق، وعلى ذلك فإن هذا اللفظ واسع المعنى يشتمل على أنواع متعددة من الموافقة والمخالفة على تعدد درجاتها، وحينئذ لا ينبغي أن يساق الحديث عن «الآخر» مساقًا واحدًا؛ بحيث يعم الجميع بحكم واحد أو موقف واحد. وقد ظهرت مواقف كثيرة قدمت فيها أوراق وبحوث أغلبها ينطلق من الحديث عن «الآخر» بغير تفريق بين أنواعه، والسلوك الذي يوصف بأنه علمي يستوجب التفصيل حتى لا يكون هناك تجاوز في الأحكام أوالمواقف.
أنواع «الآخر» :
«الآخر» قد يكون كافرًا، وقد يكون مسلمًا، والكافر أنواع: فمنه الكافر الحربي، والكافر الذمي، والكافر المعاهَد. والمسلم أنواع: فمنه المسلم الذي هو من أهل السنة والجماعة، ومنه من هو من أهل البدعة والضلالة. وأهل السنة توجد بينهم خلافات في الفقه على تعدد درجات الاختلاف، كما أن البدع منها الغليظة المكفِّرة ومنها دون ذلك؛ وإزاء هذا التباين الشديد؛ فإن سَوْق الكلام عن «الآخر» سَوْقًا واحدًا فيه ظلم كبير، وتجاوز للصواب بيقين، وهو موقع في أحد الأطراف: إما الإفراط، وإما التفريط، وقديما قالوا: كِلا طرفي قصد الأمور ذميم.
أصول عامة في مسألة الآخر:
لكن هنا أصول أو قواعد عامة لا ترتبط بـ «الآخر» أيًا كان، من فئة أقرب الموافقين أو أبعد المخالفين ينبغي الالتزام والتقيد بها؛ فمن ذلك:
1 ـ العدل: