فهرس الكتاب
20 -إنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ لِلتَّدَاوِي ( لَمْ يُبَحْ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ) وَالْمَالِكِيَّةِ , وَالْحَنَابِلَةِ , وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ . وَيُحَدُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ إبَاحَةِ شُرْبِ الْخَمْرِ لِلتَّدَاوِي بِحَدِيثِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ مِنْ أَنَّ { طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا فَقَالَ: إنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ } . وَلِأَنَّ الْمُسْكِرَ مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ فَلَمْ يُبَحْ لِلتَّدَاوِي كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الْأَصَحِّ إلَى جَوَازِ التَّدَاوِي بِالْقَدْرِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ كَبَقِيَّةِ النَّجَاسَاتِ وَهَذَا فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ , أَمَّا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ دَوَاءً آخَرَ فَفِي جَوَازِهِ خِلَافٌ , وَيُنْظَرُ التَّفْصِيلُ فِي ( تَدَاوِي ) .
21 -رَابِعًا: مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْحَدِّ أَيْضًا بَقَاءُ اسْمِ الْخَمْرِ لِلْمَشْرُوبِ وَقْتَ الشُّرْبِ . نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ . لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ بِالشُّرْبِ تَعَلَّقَ بِهِ حَتَّى لَوْ خُلِطَ الْخَمْرُ بِالْمَاءِ ثُمَّ شَرِبَ نُظِرَ فِيهِ: إنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْمَاءِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ - لِأَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ يَزُولُ عِنْدَ غَلَبَةِ الْمَاءِ , وَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْخَمْرِ أَوْ كَانَا سَوَاءً يُحَدُّ ; لِأَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ بَاقٍ وَهِيَ عَادَةُ بَعْضِ الشَّرَبَةِ أَنَّهُمْ يَشْرَبُونَهَا مَمْزُوجَةً بِالْمَاءِ . وَيُحَدُّ مَنْ شَرِبَ دُرْدِيَّ الْخَمْرِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّهُ خَمْرٌ بِلَا شَكٍّ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ , وَإِنَّمَا يُكْرَهُ شُرْبُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ ; لِأَنَّ الدُّرْدِيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ صَافِيهِ , وَالِانْتِفَاعُ بِالْخَمْرِ حَرَامٌ فَكَذَلِكَ بِدُرْدِيِّهِ وَهَذَا لِأَنَّ فِي الدُّرْدِيِّ أَجْزَاءَ الْخَمْرِ وَلَوْ وَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنْ خَمْرٍ فِي مَاءٍ لَمْ يَجُزْ شُرْبُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ فَالدُّرْدِيُّ أَوْلَى . 22 - خَامِسًا: وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا الْعِلْمُ بِأَنَّ كَثِيرَهَا يُسْكِرُ , فَالْحَدُّ إنَّمَا يَلْزَمُ مَنْ شَرِبَهَا عَالِمًا بِأَنَّ كَثِيرَهَا يُسْكِرُ فَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ , وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ , وَلَمْ يَشْتَرِطْ الشَّافِعِيَّةُ إلَّا الْعِلْمَ بِكَوْنِ مَا شَرِبَهُ مُسْكِرًا . وَذَلِكَ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِتَحْرِيمِهَا وَلَا قَاصِدٍ إلَى ارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ بِهَا فَأَشْبَهَ مَنْ زُفَّتْ إلَيْهِ غَيْرُ زَوْجَتِهِ , وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ شَرِبَهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِتَحْرِيمِهَا أَيْضًا - لِأَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رضي الله عنهما قَالَا: لَا حَدَّ إلَّا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ - وَلِأَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا خَمْرٌ , وَإِذَا ادَّعَى الْجَهْلَ بِتَحْرِيمِهَا نُظِرَ . فَإِنْ كَانَ نَاشِئًا بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ لِأَنَّ هَذَا لَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِيهِ , وَإِنْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَاشِئًا بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْبُلْدَانِ قُبِلَ مِنْهُ , لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا قَالَهُ . نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ .
23 -سَادِسًا: اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ النُّطْقَ فَلَا يُحَدُّ الْأَخْرَسُ لِلشُّبْهَةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَاطِقًا يَحْتَمِلُ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا لَا يُحَدُّ بِهِ كَإِكْرَاهٍ أَوْ غَصٍّ بِلُقْمَةٍ . وَلَا تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ وَلَا الْحُرِّيَّةُ فَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى كُلٍّ مِنْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالرَّقِيقِ إلَّا أَنَّ حَدَّ الرَّقِيقِ يَكُونُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ .
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 8789)