43 -وَهُنَاكَ أَسْبَابٌ أُخْرَى اعْتَبَرَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ نَاقِضَةً لِلْعَهْدِ مُطْلَقًا , وَبَعْضُهُمْ بِشُرُوطٍ: فَقَدْ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يُنْقَضُ عَهْدُ الذِّمَّةِ بِالتَّمَرُّدِ عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ , بِإِظْهَارِ عَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِهَا , وَبِإِكْرَاهِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ عَلَى الزِّنَى بِهَا إذَا زَنَى بِهَا بِالْفِعْلِ , وَبِغُرُورِهَا وَتَزَوُّجِهَا وَوَطْئِهَا , وَبِتَطَلُّعِهِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ , وَبِسَبِّ نَبِيٍّ مُجْمَعٍ عَلَى نُبُوَّتِهِ عِنْدَنَا بِمَا لَمْ يُقَرَّ عَلَى كُفْرِهِ بِهِ . فَإِنْ سَبَّ بِمَا أُقِرَّ عَلَى كُفْرِهِ بِهِ لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ , كَمَا إذَا قَالَ: عِيسَى إلَهٌ مَثَلًا , فَإِنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ بِمُسْلِمَةٍ , أَوْ أَصَابَهَا بِنِكَاحٍ , أَوْ دَلَّ أَهْلَ الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ , أَوْ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ , أَوْ طَعَنَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ الْقُرْآنِ , أَوَذَكَرَ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم بِسُوءٍ , فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ شَرَطَ انْتِقَاضَ الْعَهْدِ بِهَا انْتَقَضَ , وَإِلَّا فَلَا يُنْتَقَضُ ; لِمُخَالَفَتِهِ الشَّرْطَ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي . وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ , وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إنْ فَعَلُوا مَا ذُكِرَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ نُقِضَ الْعَهْدُ مُطْلَقًا , وَلَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ . أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الذِّمِّيَّ لَوْ سَبَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَا يُنْقَضُ عَهْدُهُ إذَا لَمْ يُعْلِنْ السَّبَّ ; لِأَنَّ هَذَا زِيَادَةُ كُفْرٍ , وَالْعَقْدُ يَبْقَى مَعَ أَصْلِ الْكُفْرِ , فَكَذَا مَعَ الزِّيَادَةِ , وَإِذَا أَعْلَنَ قُتِلَ , وَلَوْ امْرَأَةً , وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ لَا يُنْقَضُ عَهْدُهُ , بَلْ تُطَبَّقُ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ الْقَتْلِ وَالزِّنَى ; لِأَنَّ هَذِهِ مَعَاصٍ ارْتَكَبُوهَا , وَهِيَ دُونَ الْكُفْرِ فِي الْقُبْحِ وَالْحُرْمَةِ , وَبَقِيَتْ الذِّمَّةُ مَعَ الْكُفْرِ , فَمَعَ الْمَعْصِيَةِ أَوْلَى .
44 -إذَا نَقَضَ الذِّمِّيُّ الْعَهْدَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ , وَيُحْكَمُ بِمَوْتِهِ بِاللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ , لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِالْأَمْوَاتِ , وَتَبِينُ مِنْهُ زَوْجَتُهُ الذِّمِّيَّةُ الَّتِي خَلَّفَهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , وَتُقْسَمُ تَرِكَتُهُ , وَإِذَا تَابَ وَرَجَعَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَتَعُودُ ذِمَّتُهُ , إلَّا أَنَّهُ لَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَأُسِرَ يُسْتَرَقُّ , بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ , وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ . وَفَصَّلَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي حُكْمِ نَاقِضِ الْعَهْدِ , حَسَبَ اخْتِلَافِ أَسْبَابِ النَّقْضِ , فَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: قُتِلَ بِسَبِّ نَبِيٍّ بِمَا لَمْ يَكْفُرْ بِهِ وُجُوبًا , وَبِغَصْبِ مُسْلِمَةٍ عَلَى الزِّنَى , أَوْ غُرُورِهَا بِإِسْلَامِهِ فَتَزَوَّجَتْهُ , وَهُوَ غَيْرُ مُسْلِمٍ , وَأَبَى الْإِسْلَامَ بَعْدَ ذَلِكَ , أَمَّا الْمُطَّلِعُ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ فَيَرَى الْإِمَامُ فِيهِ رَأْيَهُ بِقَتْلٍ أَوْ اسْتِرْقَاقٍ . وَمَنْ الْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَسَرَهُ الْمُسْلِمُونَ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ , وَإِنْ خَرَجَ لِظُلْمٍ لَحِقَهُ لَا يُسْتَرَقُّ وَيُرَدُّ لِجِزْيَتِهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: مَنْ انْتَقَضَ عَهْدُهُ بِقِتَالٍ يُقْتَلُ , وَإِنْ انْتَقَضَ عَهْدُهُ بِغَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ إبْلَاغُهُ مَأْمَنَهُ فِي الْأَظْهَرِ , بَلْ يَخْتَارُ الْإِمَامُ فِيهِ قَتْلًا أَوْ رِقًّا أَوْ مَنًّا أَوْ فِدَاءً . أَمَّا الْحَنَابِلَةُ , فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَسْبَابِ النَّقْضِ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ , وَقَالُوا: خُيِّرَ الْإِمَامُ فِيهِ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْفِدَاءِ وَالْمَنِّ , كَالْأَسِيرِ الْحَرْبِيِّ ; لِأَنَّهُ كَافِرٌ قَدَرْنَا عَلَيْهِ فِي دَارِنَا بِغَيْرِ عَهْدٍ وَلَا عَقْدٍ , فَأَشْبَهَ اللِّصَّ الْحَرْبِيَّ , وَيَحْرُمُ قَتْلُهُ بِسَبَبِ نَقْضِ الْعَهْدِ إذَا أَسْلَمَ . هَذَا , وَلَا يَبْطُلُ أَمَانُ ذُرِّيَّتِهِمْ وَنِسَائِهِمْ بِنَقْضِ عَهْدِهِمْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ( الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ) لِأَنَّ النَّقْضَ إنَّمَا وُجِدَ مِنْ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ دُونَ الذُّرِّيَّةِ , فَيَجِبُ أَنْ يَخْتَصَّ حُكْمُهُ بِهِمْ . وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ تُسْتَرَقُّ ذُرِّيَّتُهُمْ .
أَهْلُ الْكِتَابِ (2)
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 2510)
(2) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 2513)