فهرس الكتاب

الصفحة 578 من 743

و أيضا فقد قطع الله الموالاة بين المؤمنين و بين المحادين لله و رسوله و المعادين لله و رسوله فقال تعالى: { لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله و لو كانوا آباءهم } الآية [ المجادلة: 22 ] و قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي و عدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة } [ الممتحنة: 1 ] فعلم أنهم ليسوا من المؤمنين

و أيضا فإنه قال سبحانه: { و لولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله و رسوله و من يشاق الله فإن الله شديد العقاب } [ الحشر: 4 ] فجعل سبب استحقاقهم العذاب في الدنيا و لعذاب النار في الآخرة مشاقة الله و رسوله و المؤذي للنبي صلى الله عليه و سلم مشاق لله و رسوله كما تقدم و العذاب هنا هو الإهلاك بعذاب من عنده أو بأيدينا و إلا فقد أصابهم ما دون ذلك من ذهاب الأموال و فراق الأوطان

و قال سبحانه: { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فأضربوا فوق الأعناق و آضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا الله و رسوله } [ الأنفال: 12 ، 13 ] فجعل إلقاء الرعب في قلوبهم و الأمر بقتلهم لأجل مشاقتهم لله و رسوله فكل من شاق الله و رسوله يستوجب ذلك قال مجاهد: [ هو أذن ] يقولون: سنقول ما شئنا ثم نحلف له فيصدقنا

و قال الوالبي عن ابن عباس: [ يعني أنه يسمع من كل أحد ]

قال بعض أهل التفسير: [ كان رجال من المنافقين يؤذون رسول الله صلى الله عليه و سلم و يقولون ما لا ينبغي فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا فإنما محمد أذن سامعة ] فأنزل الله هذه الآية [ التوبة: 61 ]

و قال ابن اسحاق: كان نبتل بن الحارث الذي قال النبي صلى الله عليه و سلم فيه: [ من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث ] ينم حديث النبي إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل فقال: إنما محمد أذن من حدثه شيئا صدقه نقول ما شئنا ثم نحلف له فيصدقنا عليه فأنزل الله هذه الآية [ التوبة: 61 ]

و قولهم [ أذن ] قالوا: ليتبينوا أن كلامهم مقبول عنده فأخبر الله أنه لا يصدق إلا المؤمنين و إنما يسمع الخبر فإذا حلفوا له فعفا عنهم كان ذلك لأنه أذن خير لا لأنه صدقهم

قال سفيان بن عيينة: [ أذن خير يقبل منكم ما أظهرتم من الخبر و من القول و لا يؤاخذكم بما في قلوبكم و يدع سرائركم إلى الله تعالى و ربما تضمنت هذه الكلمة نوع استهزاء و استخفاف ] فإن قيل: فقد روى نعيم بن حماد [ قال ] [ حدثنا محمد بن ثورعن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اللهم لا تجعل لفاجر و لفاسق عندي يدا و لا نعمة فإني وجدت فيما أوحيته { لا تجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله } ]

قال سفيان: يرون أنها نزلت فيمن يخالط السلطان رواه أبو أحمد العسكري و ظاهر هذا أن كل فاسق لا يبغي مودته فهو محاد لله و رسوله مع أن هؤلاء ليسوا منافقين النفاق المبيح للدم

قتل من يسب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة (1)

ثم ذكر حصارهم و إجلاءهم إلى أذرعات و هم بنو قينقاع الذين كانوا بالمدينة

فقد ذكر ابن كعب مثل ما في الصحيفة و بين أنه عاهد جميع اليهود و هذا مما لا نعلم فيه ترددا بين أهل العلم بسيرة النبي صلى الله عليه و سلم و من تأمل الأحاديث المأثورة و السيرة كيف كانت معهم علم ذلك ضرورة و إنما ذكرنا هذا لأن بعض المصنفين في الخلاف قال: [ يحتمل أن هذه المرأة ما كانت ذمية ]

و قائل هذا ممن ليس له بالسنة كثير علم و إنما يعلم منها في الغالب ما يعلمه العامة ثم إنه أبطل هذا الاحتمال فقال: [ لو لم تكن ذمية لم يكن للإهدار معنى فإذا نقل السب و الإهدار تعلق الجم بالزنا و القطع بالسرقة ] و هذا صحيح و ذلك أن في نفس الحديث ما يبين أنها كانت ذمية من وجهين: أحدهما أنه قال: إن يهودية كانت تشتم النبي صلى الله عليه و سلم فخنقها رجل فأبطل دمها فرتب علي رضي الله عنه إبطال الدم على الشتم بحرف الفاء فعلم أنه هو الموجب لإبطال دمها لأن تعليق الحكم بالوصف المناسب بحرف الفاء يدل على العلية و إن كان ذلك في اللفظ الصحابي كما لو قال: [ زنا ماعز فرجم ] و نحو ذلك إذ لا فرق فيما يرويه الصحابي عن النبي صلى الله عليه و سلم من أمر و نهي و حكم و تعليل في الاحتجاج به أن يحكي لفظ النبي صلى الله عليه و سلم أو يحكى بلفظه معنى [ كلام ] النبي صلى الله عليه و سلم فإذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم بكذا أو نهانا عن كذا أو حكم بكذا أو فعل كذا لأجل كذا كان حجة لأنه لا يقدم على ذلك إلا بعد أن يعلم الذي يجوز له معه أن ينقله و تطرق الخطأ إلى مثل ذلك لا يلتفت إليه كتطرق النسيان و السهو في الرواية و هذا يقرر في موضعه

و مما يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم لما ذكر له أنها قتلت نشذ الناس في أمرها فلما ذكر له ذنبها أبطل دمها و هو صلى الله عليه و سلم إذا حكم بأمر عقب حكاية حكيت له دل ذلك على أن ذلك المحكي هو الموجب لذلك الحكم لأنه حكم حادث فلا بد له من سبب حادث و لا سبب إلا ما حكي له و هو مناسب فتجب الإضافة إليه

(1) - الصارم المسلول - (ج 1 / ص 70)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت