فهرس الكتاب

الصفحة 426 من 743

وهذه الصحيفة معروفة عند أهل العلم . روى مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل بطن عقوله ثم كتب أنه لا يحل لمسلم أن يتولى مولى رجل مسلم بغير إذنه فقد بين فيها أن كل من تبع المسلمين من اليهود فإن له النصر . ومعنى الاتباع مسالمته وترك محاربته لا الاتباع في الدين كما بينه في أثناء الصحيفة فكل من أقام بالمدينة ومخاليفها غير محارب من يهود دخل في هذا . ثم بين أن ليهود كل بطن من الأنصار ذمة من المؤمنين ولم يكن بالمدينة أحد من اليهود إلا وله حلف إما مع الأوس أو مع بعض بطون الخزرج وكان بنو قينقاع وهم المجاورون للمدينة وهم رهط عبدالله بن سلام حلفاء بني عوف بن الخزرج رهط ابن أبي رهم البطن الذي بدئ بهم فيه هذه الصحيفة . قال ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وخانوا فيما بين بدر وأحد فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه فقام عبدالله بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمكنه الله منهم فقال يا محمد أحسن في موالي فأعرض عنه فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني وغضب حتى إن لوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ظلالا وقال ويحك أرسلني فقال والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربع مئة حاسر وثلاث مئة دارع قد منعوني من الأسود والأحمر تحصدهم في غداة واحدة إني والله أخشى الدوائر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هم لك .

وأما النضير وقريظة فكانوا خارجا من المدينة وعهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهر من أن يخفى على عالم . وهذه المرأة المقتولة والله أعلم كانت من بني قينقاع إذ ظاهر القصة أنها كانت بالمدينة وسواء كانت منهم أو من غيرهم فإنها كانت ذمية لأنه لم يكن بالمدينة من اليهود إلا ذمي فإن اليهود كانوا ثلاثة أصناف وكلهم معاهد . وقال الواقدي حدثني عبدالله بن جعفر عن الحارث بن الفضيل عن محمد بن كعب القرظي لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وادعته يهود كلها فكتب بينه وبينها كتابا وألحق رسول الله صلى الله عليه وسلم كل قوم بحلفائهم وجعل بينه وبينهم أمانا وشرط عليهم شروطا فكان فيما شرط ألا يظاهروا عليه عدوا فلما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب بدر وقدم المدينة بغت يهود وقطعت ما كان بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد فأرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعهم ثم قال يا معشر يهود أسلموا فوالله إنكم لتعلمون أني رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يوقع الله بكم مثل وقعة قريش فقالوا يا محمد لا يغرنك من لقيت إنك لقيت أقواما أغمارا وإنا والله أصحاب الحرب وإن قاتلتنا لتعلمن أنك لم تقاتل مثلنا . ثم ذكر حصارهم وإجلاءهم إلى أذرعات وهم بنو قينقاع الذين كانوا بالمدينة . فقد ذكر ابن كعب مثل ما في هذه الصحيفة وبين أنه عاهد جميع اليهود وهذا مما لا يعلم فيه نزاع بين أهل العلم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومن تأمل الأحاديث المأثورة والسيرة كيف كانت معهم علم ذلك ضرورة .

ومما يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر له أنها قتلت نشد الناس في أمرها فلما ذكر له ذنبها أبطل دمها وهو إذا حكم بأمر عقب حكاية حال حكيت له دل ذلك على أن ذلك المحكي هو الموجب لذلك الحكم لأنه حكم حادث فلا بد له من سبب حادث ولا سبب إلا ما حكي وهو مناسب فيجب الإضافة إليه . وأيضا فلما نشد النبي صلى الله عليه وسلم في أمرها ثم أبطل دمها دل على أنها كانت معصومة وأن دمها كان قد انعقد سبب ضمانه وكان مضمونا لو لم يبطله النبي صلى الله عليه وسلم لأنها كانت حربية لم ينشد الناس فيها ولم يحتج أن يبطل دمها ويهدره لأن الإبطال والإهدار لا يكون إلا لدم قد انعقد له سبب الضمان ولهذا لما رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه أنكر قتلها ونهى عن قتل النساء ولم يبطله ولم يهدره فإنه إذا كان في نفسه باطلا هدرا والمسلمون يعلمون أن دم الحربية غير مضمون بل هو هدر لم يكن لإبطاله وإهداره وجه وهذا ولله الحمد ظاهر . فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عاهد اليهود عهدا بغير ضرب جزية عليهم ثم إنه أهدر دم يهودية منهم لأجل سبه فأن يهدر دم يهودية من اليهود الذين ضربت عليهم الجزية والتزموا أحكام الملة لأجل السب أولى وأحرى ولو لم يكن قتلها جائزا لبين لقاتلها قبح ما فعل فإنه لا يقر على باطل كيف وقد قال إن من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة ولأوجب ضمانها وكفارة قتل المعصوم فلما أهدر دمها علم أنه كان مباحا . وقد وهم الخطابي في أمر هذه المقتولة فقال فيه بيان أن ساب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل وذلك أن السب منها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارتداد عن الدين فاعتقد أنها مسلمة وليس في الحديث ما يدل على ذلك بل الظاهر أنها كانت كافرة كما صرح به في الحديث ولو كانت مرتدة منتقلة إلى غير دين الإسلام لم يقر سيدها على ذلك أياما طويلة ولم يكتف بمجرد نهيها عن السب بل كان يطلب منها العود إلى الإسلام والرجل لم يقل كفرت ولا ارتدت وإنما ذكر مجرد السب والشتم فدل على أنها لم يصدر منها زائد عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت