فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 743

تلك آيات الله وبيناته لعباده:نتلوها عليك بالحق . فهي حق فيما تقرره من مبادىء وقيم ; وهي حق فيما تعرضه من مصائر وجزاءات . وهي تتنزل بالحق ممن يملك تنزيلها ; وممن له الحق في تقرير القيم , وتقرير المصائر , وتوقيع الجزاءات . وما يريد بها الله أن يوقع بالعباد ظلما . فهو الحكم العدل . وهو المالك لأمر السماوات والأرض . ولكل ما في السماوات وما في الأرض . وإليه مصير الأمور . إنما يريد الله بترتيب الجزاء على العمل أن يحق الحق , وأن يجري العدل , وأن تمضي الأمور بالجد اللائق بجلال الله . .

لا كما يدعي أهل الكتاب أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودات !

قال تعالى: ( يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) (المنافقون:8)

يقول السيد رحمه الله: (1)

ويضم الله - سبحانه - رسوله والمؤمنين إلى جانبه , ويضفي عليهم من عزته , وهو تكريم هائل لا يكرمه إلا الله ! وأي تكريم بعد أن يوقف الله - سبحانه - رسوله والمؤمنين معه إلى جواره . ويقول:ها نحن أولاء !

هذا لواء الأعزاء . وهذا هو الصف العزيز !

وصدق الله . فجعل العزة صنو الإيمان في القلب المؤمن . العزة المستمدة من عزته تعالى . العزة التي لا تهون ولا تهن , ولا تنحني ولا تلين . ولا تزايل القلب المؤمن في أحرج اللحظات إلا أن يتضعضع فيه الإيمان . فإذا استقر الإيمان ورسخ فالعزة معه مستقرة راسخة . .

(ولكن المنافقين لا يعلمون) . .

وكيف يعلمون وهم لا يتذوقون هذه العزة ولا يتصلون بمصدرها الأصيل ?

قال تعالى: ( الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (النساء:139)

قال السيد رحمه الله: (2)

وإذا لم تتجرد النفس لله , لم تتحرر أبدا من ضغط القيم والأوضاع , والضرورات والمصالح , والحرص والشح . ولم ترتفع أبدا على المصالح والمغانم , والمطامع والمطامح . ولم تستشعر أبدا تلك الطلاقة والكرامة والاستعلاء التي يحسها القلب المملوء بالله , أمام القيم والأوضاع , وأمام الأشخاص والأحداث , وأمام القوى الأرضية والسلطان وأصحاب السلطان . .

ومن هنا تبذر بذرة النفاق . .

وما النفاق في حقيقته إلا الضعف عن الإصرار على الحق في مواجهة الباطل . وهذا الضعف هو ثمرة الخوف والطمع , وتعليقهما بغير الله ; وثمرة التقيد بملابسات الأرض ومواضعات الناس , في عزلة عن منهج الله للحياة

والكافرون المذكورون هنا هم - على الأرجح - اليهود ; الذين كان المنافقون يأوون إليهم ; ويتخنسون عندهم , ويبيتون معهم للجماعة المسلمة شتى المكائد .

والله - جل جلاله - يسأل في استنكار:لم يتخذون الكافرين أولياء وهم يزعمون الإيمان ? لم يضعون أنفسهم هذا الموضع , ويتخذون لأنفسهم هذا الموقف ? أهم يطلبون العزة والقوة عند الكافرين ?

لقد استأثر الله - عز وجل - بالعزة ; فلا يجدها إلا من يتولاه ; ويطلبها عنده ; ويرتكن إلى حماه .

وهكذا تكشف اللمسة الأولى عن طبيعة المنافقين , وصفتهم الأولى , وهي ولاية الكافرين دون المؤمنين , كما تكشف عن سوء تصورهم لحقيقة القوى ; وعن تجرد الكافرين من العزة والقوة التي يطلبها عندهم أولئك المنافقون . وتقرر أن العزة لله وحده ; فهي تطلب عنده وإلا فلا عزة ولا قوة عند الآخرين !

ألا إنه لسند واحد للنفس البشرية تجد عنده العزة , فإن ارتكنت إليه استعلت على من دونه . وألا إنها لعبودية واحدة ترفع النفس البشرية وتحررها . . العبودية لله . . فإن لا تطمئن إليها النفس استعبدت لقيم شتى ; وأشخاص شتى ; واعتبارات شتى , ومخاوف شتى . ولم يعصمها شيء من العبودية لكل أحد ولكل شيء ولكل اعتبار . .

وإنه إما عبودية لله كلها استعلاء وعزة وانطلاق . وإما عبودية لعباد الله كلها استخذاء وذلة وأغلال . .

ولمن شاء أن يختار . .

وما يستعز المؤمن بغير الله وهو مؤمن . وما يطلب العزة والنصرة والقوة عند أعداء الله وهو يؤمن بالله . وما أحوج ناسا ممن يدعون الإسلام ; ويتسمون بأسماء المسلمين , وهم يستعينون بأعدى أعداء الله في الأرض , أن يتدبروا هذا القرآن . . إن كانت بهم رغبة في أن يكونوا مسلمين . .

وإلا فإن الله غني عن العالمين !

ومما يلحق بطلب العزة عند الكفار وولايتهم من دون المؤمنين:

الاعتزاز بالآباء والأجداد الذين ماتوا على الكفر ; واعتبار أن بينهم وبين الجيل المسلم نسبا وقرابة ! كما يعتز ناس بالفراعنة والأشوريين والفينيقيين والبابليين وعرب الجاهلية اعتزازا جاهليا , وحمية جاهلية . .

روى الإمام أحمد:حدثنا حسين بن محمد , حدثنا أبو بكر بن عباس . عن حميد الكندي عن عبادة ابن نسي , عن أبى ريحانة:أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من انتسب إلى تسعة آباء كفار , يريد بهم عزا وفخرا , فهو عاشرهم في النار . .

(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 478) وفي ظلال القرآن - (ج 7 / ص 219)

(2) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 111) وفي ظلال القرآن - (ج 2 / ص 262)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت