الباب السادس
ذكر بعض أقوال أهل العلم المعاصرين
أهل الذمة والولايات العامة في الفقه الإسلامي
عبد العزيز بن محمد الحويطان
(أهل الذمة والولايات العامة في الفقه الإسلامي) (1) هو عنوان للرسالة التي رأيت مناسبة عرضها، والتي فرضت جودتها وحسن تبويبها: الوقوف عندها هذه الوقفات العاجلة، ولعل أهمية هذه الرسالة تتضح من عنوانها؛ فأهل الذمة في بلاد المسلمين موجودون قديمًا وحديثًا، وربما ازداد عددهم في هذه الأزمنة نتيجة تقدم وسائل النقل، واختلاط الشعوب، وانتقال الأيدي العاملة للبحث عن مصادر الرزق، مما يجعل دراسة الموضوع أكثر إلحاحًا وأهمية، وأكثر مساسًا بواقع بعض المسلمين ـ الذي امتزج به الجهل والفقر والتخلف، إلا من رحم الله ـ، والذي يفرض طَرق مثل هذه الأبحاث والتأكيد عليها، وزاد الرسالة قوة: ذلك العرض والتقسيم البديع الذي صاحب فصولها، وسأتطرق بحول الله (تعالى) إلى مميزات الرسالة، وما عليها، بعد العرض السريع لها.
قسّم الباحث الرسالة بابين: الباب الأول ـ جعله مدخلًا للرسالة ـ في الولاية وما يتعلق بها، وقسمه ثلاثة فصول: تعريف الولاية، وأقسامها، وشروطها. والباب الثاني: (في الذمة والولايات العامة) .
ففي تعريف الولاية في الاصطلاح: وبعد أن أورد أقوال الفقهاء: خلص إلى أنها: (سلطة شرعية لشخص في إدارة شأن من الشؤون، وتنفيذ إرادته فيه على الغير من فرد أو جماعة) (ص27) .
وقد ثبتت مشروعيتها من الكتاب والسنة والإجماع.
وفي مبحث أقسام الولاية: ذكر أنها تنقسم إلى ولاية عامة وخاصة (وهذا تقسيم الفقهاء) ، فالولاية الخاصة يمكن حصرها في: ولاية الحضانة، والولاية على النفس، والولاية على المال.
أما الولاية العامة فإنها تتمثل فيما يقوم به الإمام أو نائبه من التصرفات، وتنبثق عنها ولايات عامة متعددة، وعلى هذا تكون أنواع الولاية العامة هي:
1-الإمامة العظمى.
2-الوزارة (سواء أكانت وزارة تفويض أو تنفيذ) .
3-الإمارة على البلدان (بنوعيها: العام، والخاص) .
4-الإمارة على الجهاد (إمارة على سياسة الجيش والجند، أو إمارة على جميع أحكام الجهاد) .
5-الولاية على حروب المصالح (قتال أهل الردة والبغي والمحاربين) .
6-ولاية القضاء.
7-ولاية المظالم.
8-ولاية النقابة على ذوي الأنساب.
9-الولاية على إمامة الصلوات.
10-الولاية على الحج.
11-ولاية الصدقات.
12-ولاية الفيء.
13-ولاية الجزية والخراج.
14-ولاية الحسبة. (ص53-57) .
وهذه الأنواع لم يذكر الباحث من أين استقاها، ولعله استقرأها من كتب الفقه، والسؤال هنا: ألا توجد مناصب جديدة في هذا الوقت تختلف عن السابق؟ ثم: ألا يمكن وضع ضوابط عامة لهذه الولاية العامة بدلًا من تفصيلها؟.
ثم أورد الباحث في الفصل الثالث شروط الولاية العامة والخاصة كلّ على حدة باختصار.
أما الباب الثاني فهو: (في الذمي والولاية العامة) : فقد قسمه أربعة فصول: الذمي وعقده، وواجبات أهل الذمة في الفقه الإسلامي وحقوقهم، وحكم تولي الذمي المناصب العامة، وأخيرًا: أهل الذمة والشورى.
أما الذمي فقد عرفه الباحث في الاصطلاح قائلًا: (كل من يُقَر من الكفار في دار الإسلام على التأبيد آمنًا، بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة فيما يتعلق بهم) (ص74) .
قلت: وتبقى المسألة، فيمن تقبل منه الجزية ويقر ببذلها؟ وقد أجاب الباحث عن هذا التساؤل قائلًا: وهذا فيه خلاف بين الفقهاء بعد اتفاقهم على دخول اليهود والنصارى فيهم، وبعد أن أورد الباحث أقوال أئمة المذاهب خلص إلى أن (الجزية تقبل من كل كافر، فيدعى للإسلام أولا، فإن أبى فالجزية، فإن بذلها قبلت منه) .
ثم ساق الأدلة فيما يلي:
1-آية الجزية: (( قَاتِلُوا الَذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) ) [التوبة: 29] .
2-حديث بريدة (رضي الله عنه) الطويل المشهور: (كان رسول الله إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه... فإن هم أَبَوْ فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم..) أخرجه مسلم والترمذي، وهو على عمومه في أهل الكتاب وغيرهم.
3-كما استدلوا بقبول الجزية من المجوس وهم ليسوا أهل كتاب بقوله: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) رواه مالك في الموطأ (2) .
أما عقد الذمة، فقال الباحث: (هو التزام الإمام أو نائبه بإقرار بعض الكفار بالإقامة الدائمة في دار الإسلام، على أن يبذلوا الجزية ويلتزموا أحكام الملة فيما يتعلق بهم) (ص97) والمقصود بأحكام الملة أي: الأحكام الظاهرة، كمنعهم من إظهار الخمر والخنزير.
ثم تطرق الباحث إلى شروط العقد وآثاره، وذكر من آثاره:
1-عصمة النفس.
2-عصمة الأموال والأعراض لأنها تبع للنفوس.
3-إنهاء الحرب بين المسلمين وأهل الذمة.
4-هذا العقد ملزم للمسلمين، فلا يستطيعون نقضه.
5-التزام كل طرف بحقوق وواجبات الطرف الآخر.
وذكر الحقوق الواجبة عليهم ما أورده الماوردي (رحمه الله) حيث قال:
1-ألا يذكروا كتاب الله بطعن ولا تحريف.
2-ألا يذكروا رسول الله بتكذيب له ولا ازدراء.
3-ألا يذكروا دين الإسلام بذم أو قدح.
4-ألا يصيبوا مسلمة بزنى ولا باسم نكاح.
5-ألا يفتنوا مسلمًا عن دينه.
6-ألا يعينوا أهل الحرب، ولا يودوا أغنياءهم. (ص103) .