ثم تسائل الباحث قائلًا: متى ينتقض العقد؟ فأجاب بقوله: ينتقض العقد بمخالفة النظام الشرعي في ناحية جوهرية، كقتال الذمي للمسلمين والتحاقه بدار الحرب، وامتناعه عن الجزية لغير عذر كفقر، وامتناعه التزام أحكام المسلمين، كذلك ينتقض بالشروط الستة التي ذكرها الماوردي، (ص107) .
أما الفصل الثاني (واجبات أهل الذمة في الفقه الإسلامي) : فقسمه الباحث قسمين: واجبات أهل الذمة، وحقوقهم.
تطرق في المبحث الأول إلى الواجبات المترتبة عليهم، وهي ثلاثة:
أولًا: الجزية، وهي واجبة عليهم بالاتفاق، ومقدارها زهيد، يجب مرة واحدة في السنة، ويرجع تقديرها للإمام، كما اجتهد عمر (رضي الله عنه) في تقديرها)؛لأن القيمة الشرائية للدرهم تتغير بتغير الأحوال والأزمان.
ثانيًا: الخراج وهو ما وضع على رقاب الأرض المفتوحة عنوة أو صلحًا من حقوق تؤدى عنها، ودليل مشروعيته: فعل عمر وموافقة الصحابة له؛ فيكون إجماعًا، وأما تقديره فهو راجع أيضًا للإمام، فيراعي مصلحة الطرفين وحال الأرض والزرع.
ثالثًا: العشور، وقد ثبتت بعمل الصحابة (رضوان الله عليهم) ، حيث ثبت عن عمر (رضي الله عنه) أنه أخذ من أهل الذمة نصف العشر ومن أهل الحرب العشر، وقد عمل بها الصحابة من غير نكير؛ فيكون إجماعًا، ويشترط أن يكون في التجارة مما ينتقل بها صاحبها في دار الإسلام، وألا يؤخذ إلا مرة واحدة في العام، وأن يبلغ نصابًا (اشترطه الأحناف والحنابلة) .
هذا عن الواجبات اللازمة عليهم، أما المستحبة التي لا تجب عليهم إلا إذا ذكرت في العقد، كما أنها لا تنقض العقد لكن يؤاخذون بها إجبارًا ويؤدبون عليها زجرًا: فقد سردها الماوردي (رحمه الله) قائلًا: (أما المستحبة فستة أشياء:
1-تغيير هيئاتهم بلباس الغيار وشد الزنار.
2-ألا يعلوا المسلمين في الأبنية.
3-ألا يسمعوهم أصوات نواقيسهم أو تلاوة كتبهم.
4-ألا يجاهروهم بشرب خمورهم، ولا بإظهار صلبانهم وخنازيرهم.
5-أن يخفوا دفن موتاهم، ولا يجاهروا بندب عليهم ولا نياحة.
6-أن يمنعوا من ركوب الخيل عتاقًا وهجانًا. (ص124) .
قلت: وما ورد من الشروط العمرية شبيه بهذا، إلا أن أهل الذمة شرطوها على أنفسهم في خلافته فيجب أن ينفذوها، لكن السؤال: هل ثبتت الشروط العمرية تفصيلًا؟ وهل هي لازمة لأهل الذمة على الدوام؟ هذا ما لم يتطرق إليه الباحث.
أما ثبوت الشروط العمرية فقد ثبتت جملة بالإجماع، قال ابن القيم: (إن شهرتها تغني عن إسنادها) ، ونقل ابن تيمية الإجماع على ثبوتها جملة، أما تفصيلًا: فهذا راجع لأسانيدها، وقد أجاد الباحث في رده على من أنكرها من أمثال الشيخ محمد الغزالي وغيره (3) .
أما المبحث الثاني في الفصل الثاني: فعن (حقوق أهل الذمة) ، وهذا من المباحث المهمة في الرسالة التي كان من المفترض أن يتوسع فيها الباحث بدل اختصارها واكتفائه منها بالعموميات، فقد تطرق لحقوقهم بعد أن فند القاعدة التي يذكرها بعض الفقهاء (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) وبيّن أنها خاطئة بإطلاق، وقد أجاد.
وذكر من حقوقهم حرية المعتقد دون إظهار للشعائر، أما بخصوص معابدهم فرجح أن ما أسلم عليه أهل مصر أو مصّره المسلمون فلا يجوز لهم فيه إحداث بيعة أو كنيسة؛ قال ابن القيم: (وهو اتفاق من الأمة لا يعلم بينهم فيه نزاع) ، وأما ما فتح عنوة ففيه خلاف، والراجح: إن شرطوا الإحداث في عقد الجزية يوف لهم بالشرط، وكذا: إن شرطوه فيما فتح صلحًا. (ص133) .
ومن حقوقهم: حرمة الدماء والأبدان، وحق الحماية داخليًّا وخارجيًّا، وحق الأمن ـ ويقصد به حرمة المسكن ـ فله أن يسكن فيما شاء إلا في جزيرة العرب، وقيل: الحجاز خاصة ـ على خلاف ـ والأول هو الصواب، قلت: ويلزم أن يقيّد بألا يكون فيه إضرار للمسلمين، أما بخصوص حرية التنقل وحرية الفكر والكتابة والاجتماع في المناسبات: فقد أجازها الباحث بإطلاق، وفيه نظر، إذ إن بعضها يلزم منه إظهار لدينهم ورأيهم. (ص141) .
وذكر من حقهم: حق التمتع بمرافق الدولة وخدماتها، قلت: وهذا يقيد بعدم الإضرار أو التضييق بالمسلمين، ولهم حق الحرية في شؤونهم الخاصة كالحقوق الشخصية، ونظام الأسرة، والطلاق، والزواج، والإرث.. وغيرها. (ص144) .
وتطرق الباحث أخيرًا إلى حق تولي وظائف الدولة، وأوضح أن الوظائف الرئيسة في الدولة والوظائف ذات الصبغة الدينية لا يجوز للذمي شغلها، ثم فصّل القول بتقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
1-استعمالهم في الحرب، وذكر الخلاف في ذلك.
2-استعمالهم في غير الحرب، ورجح جوازه بشروط، هي:
أن يحصل الوثوق به، ألا يكون في عمله ولاية على مسلم، ألا تكون الوظيفة ذات صبغة دينية، قلت: ويلزم أن يزاد شرط: ألا يوجد من هو أولى لها من المسلمين، تمشيًا مع قول عمر لأبي موسى الأشعري.
3-استعمالهم في الوظائف العامة، وهذا ما سيذكره في الفصل الثالث.
أما الفصل الثالث (حكم تولي الذمي المناصب العامة) : فهو لب الرسالة وموضوعها، قسمه الباحث ثمانية مباحث، كل منها يمثل منصبًا من المناصب العامة، وطريقته هنا: أن يورد المنصب، ثم يعرفه، ويذكر مشروعيته، وضوابطه، وشروطه، بشكل بديع قلما يوجد في غير هذه الرسالة، ثم يعرج على حكم تولي الذمي لهذا المنصب.