فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 743

وأما ما كان فيها من ذلك قبل الفتح فهل يجوز إبقاؤه أو يجب هدمه فيه قولان في مذهب أحمد وهما وجهان لأصحاب الشافعي وغيره أحدهما يجب إزالته وتحرم تبقيته لأن البلاد قد صارت ملكا للمسلمين فلم يجز أن يقر فيها أمكنة شعار الكفر كالبلاد التي مصرها المسلمون ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تصلح قبلتان ببلد وكما لا يجوز إبقاء الأمكنة التي هي شعار الفسوق كالخمارات والمواخير ولأن أمكنة البيع والكنائس قد صارت ملكا للمسلمين فتمكين الكفار من إقامة شعار الكفر فيها كبيعهم وإجارتهم إياها لذلك ولأن الله تعالى أمر بالجهاد حتى يكون الدين كله له وتمكينهم من إظهار شعار الكفر في تلك المواطن جعل الدين له ولغيره وهذا القول هو الصحيح . والقول الثاني يجوز بناؤها لقول ابن عباس رضي الله عنهما أيما مصر مصرته العجم ففتحه الله على العرب فنزلوه فإن للعجم ما في عهدهم ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح خيبر عنوة وأقرهم على معابدهم فيها ولم يهدمها ولأن الصحابة رضي الله عنهم فتحوا كثيرا من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئا من الكنائس التي بها . ويشهد لصحة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فتحت عنوة ومعلوم قطعا أنها ما أحدثت بل كانت موجودة قبل الفتح . وقد كتب عمر بن عبدالعزيز إلى عماله أن لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار . ولا يناقض هذا ما حكاه الإمام أحمد أنه أمر بهدم الكنائس فإنها التي أحدثت في بلاد الإسلام ولأن الإجماع قد حصل على ذلك فإنها موجودة في بلاد المسلمين من غير نكير . وفصل الخطاب أن يقال إن الإمام يفعل في ذلك ما هو الأصلح للمسلمين فإن كان أخذها منهم أو إزالتها هو المصلحة لكثرة الكنائس أو حاجة المسلمين إلى بعضها وقلة أهل الذمة فله أخذها أو إزالتها بحسب المصلحة وإن كان تركها أصلح لكثرتهم وحاجتهم إليها وغنى المسلمين عنها تركها وهذا الترك تمكين لهم من الانتفاع بها لا تمليك لهم رقابها فإنها قد صارت ملكا للمسلمين فكيف يجوز أن يجعلها ملكا للكفار وإنما هو امتناع بحسب المصلحة فللإمام انتزاعها متى رأى المصلحة في ذلك . ويدل عليه أن عمر بن الخطاب والصحابة معه أجلوا أهل خيبر من دورهم ومعابدهم بعد أن أقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ولو كان ذلك الإقرار تمليكا لم يجز إخراجهم عن ملكهم إلا برضى أو معاوضة . ولهذا لما أراد المسلمون أخذ كنائس العنوة التي خارج دمشق في زمن الوليد بن عبدالملك صالحهم النصارى على تركها وتعويضهم عنها بالكنيسة التي زيدت في الجامع ولو كانوا قد ملكوا تلك الكنائس بالإقرار لقالوا للمسلمين كيف تأخذون أملاكنا قهرا وظلما بل أذعنوا إلى المعاوضة لما علموا أن للمسلمين أخذ تلك الكنائس منهم وأنها غير ملكهم كالأرض التي هي بها . فبهذا التفصيل تجتمع الأدلة وهو اختيار شيخنا وعليه يدل فعل الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من أئمة الهدى وعمر بن عبدالعزيز هدم منها ما رأى المصلحة في هدمه وأقر ما رأى المصلحة في إقراره . وقد أفتى الإمام أحمد المتوكل بهدم كنائس السواد وهي أرض العنوة .

وهذا نوعان أحدهما أن يصالحهم على أن الأرض لهم ولنا الخراج عليها أو يصالحهم على مال يبذلونه وهي الهدنة فلا يمنعون من إحداث ما يختارونه فيها لأن الدار لهم كما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران ولم يشترط عيهم ألا يحدثوا كنيسة ولا ديرا . النوع الثاني أن يصالحهم على أن الدار للمسلمين ويؤدون الجزية إلينا . فالحكم في البيع والكنائس على ما يقع عليه الصلح معهم من تبقية وإحداث وعمارة لأنه إذا جاز أن يقع الصلح معهم على أن الكل لهم جاز أن يصالحوا على أن يكون بعض البلد لهم . والواجب عند القدرة أن يصالحوا على ما صالحهم عليه عمر رضي الله عنه ويشترط عليهم الشروط المكتوبة في كتاب عبدالرحمن بن غنم ألا يحدثوا بيعة ولا صومعة راهب ولا قلاية فلو وقع الصلح مطلقا من غير شرط حمل على ما وقع عليه صلح عمر وأخذوا بشروطه لأنها صارت كالشرع فيحمل مطلق صلح الأئمة بعده عليها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت