19 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الْكَافِرِ , وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هُوَ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَمْلِيكٌ لِأَجْلِ الثَّوَابِ , وَهَلْ يُثَابُ الشَّخْصُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى الْكُفَّارِ ؟ . فَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , وَالْمَنْقُولُ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ: إنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لِلْكُفَّارِ مُطْلَقًا , سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَمْ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ ؟ مُسْتَأْمَنِينَ أَمْ غَيْرَ مُسْتَأْمَنِينَ , وَذَلِكَ لِعُمُومِ قوله تعالى: { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا } . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَمْ يَكُنْ الْأَسِيرُ يَوْمَئِذٍ إلَّا كَافِرًا وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: { فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ } وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ { أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنهما - قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَفْتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قُلْت: إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ , أَفَأَصِلُ أُمِّي ؟ قَالَ: نَعَمْ , صِلِي أُمَّك } وَلِأَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحْمُودَةٌ فِي كُلِّ دِينٍ , وَالْإِهْدَاءُ إلَى الْغَيْرِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ . وَفَرَّقَ الْحَصْكَفِيُّ فِي الدُّرِّ بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَغَيْرِهِ فَقَالَ: وَجَازَ دَفْعُ غَيْرِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ إلَى الذِّمِّيِّ - وَلَوْ وَاجِبًا - كَنَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ وَفِطْرَةٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ . وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ وَلَوْ مُسْتَأْمَنًا فَجَمِيعُ الصَّدَقَاتِ لَا تَجُوزُ لَهُ . وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ الشِّرْبِينِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: قَضِيَّةُ إطْلَاقِ حِلِّ الصَّدَقَةِ لِلْكَافِرِ . أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَرْبِيِّ وَغَيْرِهِ , وَهُوَ مَا فِي الْبَيَانِ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ وَالْأَوْجَهُ مَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ مِنْ أَنَّ: هَذَا فِيمَنْ لَهُ عَهْدٌ , أَوْ ذِمَّةٌ أَوْ قَرَابَةٌ أَوْ يُرْجَى إسْلَامُهُ , أَوْ كَانَ بِأَيْدِينَا بِأَسْرٍ وَنَحْوِهِ . فَإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ فَلَا .
9 -لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِ الْغَيْرِ وَمَا دُونَهَا مِنْ الْأَطْرَافِ إذَا صَالَ عَلَيْهَا صَائِلٌ: عَنْ قَوْلِهِمْ فِي الدِّفَاعِ عَنْ النَّفْسِ إذَا كَانَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ مَعْصُومَ الدَّمِ , بِأَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ , وَأَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا . وَاسْتَدَلُّوا فِي وُجُوبِ الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِ الْغَيْرِ وَأَطْرَافِهِ بِنَفْسِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ الدِّفَاعَ عَنْ نَفْسِ الْغَيْرِ - إذَا كَانَ آدَمِيًّا مُحْتَرَمًا - حُكْمُهُ كَحُكْمِ دِفَاعِهِ عَنْ نَفْسِهِ , فَيَجِبُ حَيْثُ يَجِبُ , وَيَنْتَفِي حَيْثُ يَنْتَفِي , إذْ لَا يَزِيدُ حَقُّ غَيْرِهِ عَلَى حَقِّ نَفْسِهِ , وَمَحَلُّ الْوُجُوبِ - عِنْدَهُمْ - إذَا أَمِنَ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ , إذْ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَ رُوحَهُ بَدَلًا عَنْ رُوحِ غَيْرِهِ , إلَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي قِتَالِ الْحَرْبِيِّينَ وَالْمُرْتَدِّينَ فَلَا يَسْقُطُ الْوُجُوبُ بِالْخَوْفِ الظَّاهِرِ , وَهَذَا أَصَحُّ الطُّرُقِ عِنْدَهُمْ . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلَانِ آخَرَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . أَوَّلُهُمَا: يَجِبُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِ غَيْرِهِ وَمَا دُونَهَا مِنْ الْأَطْرَافِ قَطْعًا , لِأَنَّ لَهُ الْإِيثَارَ بِحَقِّ نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ , وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: { مَنْ أُذِلَّ عِنْدَهُ مُؤْمِنٌ فَلَمْ يَنْصُرْهُ - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُ - أَذَلَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } . ثَانِيهِمَا: لَا يَجُوزُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِ الْغَيْرِ , لِأَنَّ شَهْرَ السِّلَاحِ يُحَرِّكُ الْفِتَنَ , وَخَاصَّةً فِي مَجَالِ نُصْرَةِ الْآخَرِينَ , وَلَيْسَ الدِّفَاعُ عَنْ الْغَيْرِ مِنْ شَأْنِ آحَادِ النَّاسِ , وَإِنَّمَا هُوَ وَظِيفَةُ الْإِمَامِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ . وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِي الْمَذْهَبِ بِالنِّسْبَةِ لِآحَادِ النَّاسِ , أَمَّا الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ - مِنْ الْوُلَاةِ - فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ دَفْعُ الصَّائِلِ عَلَى نَفْسِ الْغَيْرِ اتِّفَاقًا . أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَيَجِبُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِ غَيْرِهِ وَمَا دُونَهَا مِنْ الْأَطْرَافِ فِي غَيْرِ فِتْنَةٍ , وَمَعَ ظَنِّ سَلَامَةِ الدَّافِعِ وَالْمَدْفُوعِ عَنْهُ , وَإِلَّا حُرِّمَ الدِّفَاعُ .
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 10008)