كما أثنى القرآن كثيرًا على موسى وعيسى عليهما السلام، وبرأ مريم الصديقة مما رماها به المفترون من اليهود.
ومما استفاض في القرآن والسنة: أن دعوة الرسل واحدة وإن اختلفت شرائعهم التفصيلية، ودعوتهم هي توحيد الله سبحانه:"وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون"سورة [الأنبياء:26] .
وقال صلى الله عليه وسلم:"الأنبياء إخوة من علاّت، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد"رواه مسلم (4362) .
وأولاد العلات: هم الإخوة من الأب من أمهاتٍ شتى، فالأب رمز للتوحيد، والأمهات رمز للشرائع (الفروع) .
فالدعوة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم لم تخرج عن أصل دعوة الأنبياء والمرسلين قبله، وهي: توحيد الله سبحانه، وإخلاص العبادة له وحده. ولا يضير في هذا أن تختلف شرائعهم؛ كتفاصيل العبادات من صلاة وصيام وحج، وأحكام الأطعمة والذبائح وسائر المعاملات، ونحو ذلك.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الحكمة من الجهاد
المجيب …أ.د. سعود بن عبدالله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقًا
التصنيف …الفهرسة/ الجهاد ومعاملة الكفار/مسائل متفرقة في الجهاد ومعاملة الكفار
التاريخ …28/5/1424هـ
السؤال
هل الحكمة من وراء جهاد الطلب كان فقط منع الطغاة والحكام من أن يسمع الناس رسالة الإسلام؟ أم أنه يجب أن تحكم كل بلاد الأرض بالشريعة الإسلامية؟ حيث إن الأرض ملك لله -سبحانه-، ويجب أن يساس أهلها بحكمه وشرعه -عز وجل-. أرجو التفصيل بالأدلة.
الجواب
الجهاد في سبيل الله أعم من معنى القتال أو الحرب، فهو يشمل جهاد النفس، والهوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقاومة الظلم، ونشر الدعوة إلى الله بكل مجالاتها، ولكن لما كان الجهاد في سبيل الله قد ورد في القرآن بلفظ (القتال) بالنفس والمال في مواضع كثيرة ظن بعض الناس أن الجهاد مقصور على القتال، وإن كان أشمل منه قال -تعالى-:"وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ"
[العنكبوت: 69] وقوله:"فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا" [الفرقان: 52] وهاتان الآيتان نزلتا بمكة قبل الإذن بالقتال، مما يؤكد الجهاد في سبيل الله بمعناه العام، وعامة الآيات القرآنية في الجهاد تحدد أسباب الحرب (القتال) هي: دفع الظلم، ونصرة المظلوم، ومنع الفتنة في الدين والإخراج من الوطن بغير حق، وكفالة حرية العبادة لأهل الكتاب وغيرهم - في غير جزيرة العرب -، وبهذا فالحرب في الإسلام عالمية المنزع إنسانية الهدف، لتكون كلمة الله هي العليا، ليس فيها منزع لعدوان على أحد، ولا مطمع في التوسع لحدود الدولة أو زيادة ثرواتها على حساب الغير، لقد جاءت مبادئ الإسلام عالمية كونية لتحرير الضمير والفكر من ترسبات الوثنيات بأنواعها وأشكالها، فربط الاعتقاد بالفهم والاقتناع"لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ"
[البقرة:256] ، وربط الإيمان بالدليل والبرهان عند إرادة الجدال والحوار"وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" [البقرة: 111] ، وربط العلم العملي بالتقوى"وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ" [البقرة: 282] ولم تكن الغزوات ولا السرايا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين إلا تطبيقًا عمليًا لمعنى الجهاد الخاص (القتال أو الجهاد) بعد توافر الأسباب الشرعية للحرية المشار إليها أعلاه. فغزوة بدر الكبرى البادئ فيها المشركون، حيث اضطهدوا المسلمين في مكة وصادروا أموالهم واضطروهم إلى الخروج من أوطانهم، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقتص من مشركي مكة باعتراض قافلة لهم قادمة من الشام، فخروج المسلمين لم يكن لغرض القتال وإنما للاستيلاء على عير قريش من باب المقاصة أو المعاملة بالمثل، قد أراد المؤمنون شيئًا وأراد الله شيئًا آخر"كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ" [الأنفال: 5] أي: كارهون للمعركة؛ لأنهم على غير استعداد.