19 -وَيَقُولُ الشَّافِعِيَّةُ: إنْ خَفِيَ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ أَمِيرِ الْجَيْشِ الْأَحُظُّ حَبَسَهُمْ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ , لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الِاجْتِهَادِ , وَيُصَرِّحُ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ , إذَا لَمْ يَكُنْ يُوجَدُ تَأْمِينٌ لَهُمْ
44 -إذَا اسْتَعَانَ الْبُغَاةُ عَلَى قِتَالِنَا بِأَهْلِ الذِّمَّةِ , فَوَقَعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي الْأَسْرِ , أَخَذَ حُكْمَ الْبَاغِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ , فَلَا يُقْتَلُ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ , وَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ إذَا كَانَتْ لَهُ فِئَةٌ , وَلَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إذَا اسْتَعَانَ الْبَاغِي الْمُتَأَوِّلُ بِذِمِّيٍّ فَلَا يَغْرَمُ الذِّمِّيُّ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ , وَلَا يُعَدُّ خُرُوجُهُ مَعَهُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ . أَمَّا إنْ كَانَ الْبَاغِي مُعَانِدًا - أَيْ غَيْرَ مُتَأَوِّلٍ - فَإِنَّ الذِّمِّيَّ الَّذِي مَعَهُ يَكُونُ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ , وَيَكُونُ هُوَ وَمَالُهُ فَيْئًا . وَهَذَا إنْ كَانَ مُخْتَارًا , أَمَّا إنْ كَانَ مُكْرَهًا فَلَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ , وَإِنْ قَتَلَ نَفْسًا يُؤْخَذُ بِهَا , حَتَّى لَوْ كَانَ مُكْرَهًا . وَقَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ الْمَالِكِيَّةِ . قَالُوا: لَوْ أَعَانَ الذِّمِّيُّونَ الْبُغَاةَ فِي الْقِتَالِ , وَهُمْ عَالِمُونَ بِالتَّحْرِيمِ مُخْتَارُونَ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ , كَمَا لَوْ انْفَرَدُوا بِالْقِتَالِ . أَمَّا إنْ قَالَ الذِّمِّيُّونَ: كُنَّا مُكْرَهِينَ , أَوْ ظَنَنَّا جَوَازَ الْقِتَالِ إعَانَةً , أَوْ ظَنَنَّا أَنَّهُمْ مُحِقُّونَ فِيمَا فَعَلُوهُ , وَأَنَّ لَنَا إعَانَةَ الْمُحِقِّ وَأَمْكَنَ صِدْقُهُمْ , فَلَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ , لِمُوَافَقَتِهِمْ طَائِفَةً مُسْلِمَةً مَعَ عُذْرِهِمْ , وَيُقَاتَلُونَ كَبُغَاةٍ . وَمِثْلُهُمْ فِي ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُونَ , عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ . وَلِلْحَنَابِلَةِ قَوْلَانِ فِي انْتِقَاضِ عَهْدِهِمْ , أَحَدُهُمَا: يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ , لِأَنَّهُمْ قَاتَلُوا أَهْلَ الْحَقِّ فَانْتَقَضَ عَهْدُهُمْ كَمَا لَوْ انْفَرَدُوا بِقَتْلِهِمْ . وَيَصِيرُونَ كَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي قَتْلِ مُقْبِلِهِمْ وَاتِّبَاعِ مُدْبِرِهِمْ وَجَرِيحِهِمْ . وَالثَّانِي: لَا يُنْتَقَضُ , لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يَعْرِفُونَ الْمُحِقَّ مِنْ الْمُبْطِلِ , فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً لَهُمْ . وَيَكُونُ حُكْمُهُمْ حُكْمَ أَهْلِ الْبَغْيِ فِي قَتْلِ مُقْبِلِهِمْ , وَالْكَفِّ عَنْ أَسِرْهُمْ وَمُدْبِرِهِمْ وَجَرِيحِهِمْ . وَإِنْ أَكْرَهَهُمْ الْبُغَاةُ عَلَى مَعُونَتِهِمْ , أَوْ ادَّعَوْا ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُمْ , لِأَنَّهُمْ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ . وَكَذَلِكَ إنْ قَالُوا: ظَنَنَّا أَنَّ مَنْ اسْتَعَانَ بِنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَزِمَتْنَا مَعُونَتُهُ , لِأَنَّ مَا ادَّعُوهُ مُحْتَمَلٌ , فَلَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ مَعَ الشُّبْهَةِ . وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُونَ نُقِضَ عَهْدُهُمْ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ أَقْوَى حُكْمًا , لِأَنَّ عَهْدَهُمْ مُؤَبَّدٌ , وَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ لِخَوْفِ الْخِيَانَةِ مِنْهُمْ , وَيَلْزَمُ الْإِمَامَ الدَّفْعُ عَنْهُمْ , وَالْمُسْتَأْمَنُونَ بِخِلَافِ ذَلِكَ . وَإِذَا أُسِرَ مَنْ يُرَادُ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لَهُ , وَكَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ الْأَسْرِ , مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ عَقْدِ الْإِمَامَةِ لَهُ .
جَعْلُ الْأَسْرَى ذِمَّةً لَنَا وَفَرْضُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ (2)
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 1301)
(2) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 1294)