وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْخُلَفَاءِ أَنَّهُ أَجْلَى مَنْ كَانَ بِالْيَمَنِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ , فَقَدْ أَجَلَاهُمْ عُمَرُ مِنْ الْحِجَازِ وَأَقَرَّهُمْ بِالْيَمَنِ
34 -اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِفَرْضِ الْجِزْيَةِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ عِدَّةَ شُرُوطٍ مِنْهَا: الْبُلُوغُ , وَالْعَقْلُ , وَالذُّكُورَةُ , وَالْحُرِّيَّةُ , وَالْمَقْدِرَةُ الْمَالِيَّةُ , وَالسَّلَامَةُ مِنْ الْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ . وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الشُّرُوطِ .
أَوَّلًا: ( الْبُلُوغُ ) :
35 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُضْرَبُ عَلَى صِبْيَانِ أَهْلِ الذِّمَّةِ . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي هَذَا , وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ , وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ , لَا أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ وَاسْتَدَلُّوا لِهَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ . . . } آيَةَ الْجِزْيَةِ . فَالْمُقَاتَلَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْقِتَالِ تَسْتَدْعِي أَهْلِيَّةَ الْقِتَالِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ , فَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلْقِتَالِ , وَالصِّبْيَانُ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ فَلَا تَجِبُ الْجِزْيَةُ عَلَيْهِمْ وَبِحَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ . حَيْثُ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا , أَوْ عَدْلَهُ مِنْ الْمَعَافِرِ . وَالْحَالِمُ: مَنْ بَلَغَ الْحُلُمَ بِالِاحْتِلَامِ , أَوْ غَيْرِهِ مِنْ عَلَامَاتِ الْبُلُوغِ , فَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تَجِبُ عَلَى الصِّبْيَانِ . وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ رضي الله عنه إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ يَضْرِبُوا الْجِزْيَةَ وَلَا يَضْرِبُوهَا عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ , وَلَا يَضْرِبُوهَا إلَّا عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فِي مَعْنَى"مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى": يَعْنِي مَنْ أَنْبَتَ , وَقَالَ فِي وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ: هَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الْأَصْلُ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ , وَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ , أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَهَا عَلَى الذُّكُورِ الْمُدْرِكِينَ دُونَ الْإِنَاثِ وَالْأَطْفَالِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ كَانَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ لَوْ لَمْ يُؤَدُّوهَا , وَأَسْقَطَهَا عَمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ وَهُمْ الذُّرِّيَّةُ . وَقَدْ مَضَتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَى الصِّبْيَانِ , وَعَمِلَ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ . فَقَدْ صَالَحَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَهْلَ بُصْرَى عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا عَنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا وَجَرِيبَ حِنْطَةٍ , وَصَالَحَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَهْلَ أَنْطَاكِيَّةَ عَلَى الْجِزْيَةِ أَوْ الْجَلَاءِ , فَجَلَا بَعْضُهُمْ وَأَقَامَ بَعْضُهُمْ , فَأَمَّنَهُمْ وَوَضَعَ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ مِنْهُمْ دِينَارًا وَجَرِيبًا . وَوَضَعَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى أَهْلِ مِصْرَ دِينَارَيْنِ دِينَارَيْنِ وَأَخْرَجَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ لِحَقْنِ الدَّمِ , وَالصِّبْيَانُ دِمَاؤُهُمْ مَحْقُونَةٌ بِدُونِهَا .
36 -وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ , فَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ أَمْ يَكْفِي عَقْدُ أَبِيهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي وَجْهٍ إلَى أَنَّهُ يَكْفِي عَقْدُ أَبِيهِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ يَتَنَاوَلُ الْبَالِغِينَ وَمَنْ سَيَبْلُغُ مِنْ أَوْلَادِهِمْ أَبَدًا , وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ , وَلَمْ يُفْرِدُوا كُلَّ مَنْ بَلَغَ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَجْهِ الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ إلَى أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا بَلَغَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْتِزَامِ الْعَقْدِ وَبَيْنَ أَنْ يُرَدَّ إلَى مَأْمَنِهِ , فَإِنْ اخْتَارَ الذِّمَّةَ عُقِدَتْ لَهُ , وَإِنْ اخْتَارَ اللَّحَاقَ لِمَأْمَنِهِ أُجِيبَ إلَيْهِ . وَإِذَا كَانَ الْبُلُوغُ فِي أَوَّلِ حَوْلِ قَوْمِهِ وَأَهْلِهِ أُخِذَتْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ فِي آخِرِهِ مَعَهُمْ , وَإِذَا كَانَتْ فِي أَثْنَائِهِ أُخِذَ مِنْهُ فِي آخِرِهِ بِقِسْطِهِ .
ثَانِيًا: ( الْعَقْلُ ) :
37 -نَقَلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَابْنُ قُدَامَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ اتِّفَاقَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُؤْخَذُ مِنْ مَجَانِينِ أَهْلِ الذِّمَّةِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا إجْمَاعٌ , لَكِنَّ ابْنَ رُشْدٍ ذَكَرَ خِلَافًا فِي الْمَجْنُونِ , وَذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ نَقْلًا عَنْ الْبَيَانِ وَجْهًا ضَعِيفًا لِلشَّافِعِيَّةِ لِأَنَّهُ كَالْمَرِيضِ وَالْهَرِمِ . قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ .