33 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ إقْرَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ بِالْجِزْيَةِ فِي أَيِّ مَكَان مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ مَا عَدَا جَزِيرَةَ الْعَرَبِ: وَهِيَ مِنْ أَقْصَى عَدَنَ أَبْيَنَ جَنُوبًا إلَى أَطْرَافِ الشَّامِ شَمَالًا , وَمِنْ جَدَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ غَرْبًا إلَى رِيفِ الْعِرَاقِ شَرْقًا . كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ إقْرَارِهِمْ فِي بِلَادِ الْحِجَازِ وَهِيَ: مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَمَخَالِيفُهَا . وَاخْتَلَفُوا فِي إقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ فِيمَا عَدَا بِلَادِ الْحِجَازِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كَالْيَمَنِ وَغَيْرِهَا . فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى عَدَمِ جَوَازِ إقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ فِيمَا عَدَا بِلَادَ الْحِجَازِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ; لِأَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ السُّكْنَى فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كُلِّهَا . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: { أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ , وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْت أُجِيزُهُمْ , } وَنَسِيت الثَّالِثَةَ . وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ سَأَلْت الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ , فَقَالَ: مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَالْيَمَنُ , وَقَالَ يَعْقُوبُ: وَالْعَرْجُ أَوَّلُ تِهَامَةَ . فَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: { أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ } يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ إخْرَاجِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ كُلِّهَا . وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مُشْرِكٍ سَوَاءٌ أَكَانَ وَثَنِيًّا , أَمْ يَهُودِيًّا , أَمْ نَصْرَانِيًّا , أَمْ مَجُوسِيًّا . وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: { كَانَ مِنْ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ , لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ } وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ } قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَفَحَصَ عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى أَتَاهُ الثَّلْجُ وَالْيَقِينُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ } فَأَجْلَى يَهُودَ خَيْبَرَ . وَبِقَوْلِ عَائِشَةَ رضي الله عنها: { كَانَ آخِرُ مَا عَهِدَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَلَّا يَنْزِلَ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ } . وَبِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: { لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ , حَتَّى لَا أَدَعُ إلَّا مُسْلِمًا } . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى إقْرَارِ مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ عَلَى السُّكْنَى فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِيمَا عَدَا الْحِجَازَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ , فَتَجُوزُ لَهُمْ سُكْنَى الْيَمَنِ وَغَيْرِهَا مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ مِمَّا لَا يَدْخُلُ فِي بِلَادِ الْحِجَازِ . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ: { كَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ , وَأَهْلَ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ , وَاعْلَمُوا أَنَّ شِرَارَ النَّاسِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ } . قَالُوا: فَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: { أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ } يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ سُكْنَى الْحِجَازِ وَالْإِقَامَةُ فِيهِ , كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى الْإِقَامَةِ فِيهِ بِجِزْيَةٍ , وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ الصُّلْحُ فَاسِدًا . وَالْمُرَادُ بِالْحِجَازِ - كَمَا سَبَقَ - مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَمَخَالِيفُهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم { أَخْرِجُوا أَهْلَ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ } . فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ بِلَادَهُمْ - وَهِيَ الْيَمَنُ - مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ , فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا ; لِأَنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِمْ , وَكَانَ قَدْ صَالَحَهُمْ عَلَى أَلَا يُحْدِثُوا حَدَثًا , وَلَا يَأْكُلُوا الرِّبَا , فَأَكَلُوا الرِّبَا , وَنَقَضُوا الْعَهْدَ , فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لِهَذَا السَّبَبِ , لَا لِكَوْنِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لَا تَصْلُحُ لِسُكْنَى أَهْلِ الذِّمَّةِ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ .