الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ , لِأَنَّهُمْ مَسْئُولُونَ عَنْ تَدْبِيرِ مِلْكِهِمْ . أَمَّا إذَا كَانَ هَذَا الْحَادِثُ فِي زَمَانِنَا هَذَا فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ ; لِأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يُوجِبُونَ الْقَسَامَةَ عَلَى جَمِيعِ مَنْ فِي الْمَحَلَّةِ الَّتِي اشْتَرَكَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ وَالذِّمِّيُّونَ , فَتَجِبُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ بِالتَّسَاوِي , إلَّا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ تَتَحَمَّلُ عَوَاقِلُهُمْ الدِّيَةَ , وَالذِّمِّيُّ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ . وَقَدْ اسْتَدَلَّ السَّرَخْسِيُّ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ بِقِصَّةِ الرَّجُلِ الْمَقْتُولِ مِنْ قِبَلِ الْيَهُودِ فِي خَيْبَرَ , إذْ إنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم أَوْجَبَ الْقَسَامَةَ عَلَيْهِمْ , قَالَ السَّرَخْسِيُّ: إذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي قَرْيَةٍ أَصْلُهَا لِقَوْمٍ شَتَّى , فِيهِمْ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ , فَالْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ الْمُسْلِمُ مِنْهُمْ وَالْكَافِرُ فِيهِ سَوَاءٌ ; لِأَنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم أَوْجَبَ الْقَسَامَةَ عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ ( خَيْبَرَ ) وَكَانُوا مِنْ الْيَهُودِ , ثُمَّ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ الدِّيَةَ , فَمَا أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى عَوَاقِلِهِمْ , وَمَا أَصَابَ أَهْلَ الذِّمَّةِ , فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ مَعَاقِلُ فَعَلَيْهِمْ وَإِلَّا فَفِي أَمْوَالِهِمْ , وَتَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَى الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ ; لِأَنَّهُمْ أَهْلُ النُّصْرَةِ , أَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَلَا قَسَامَةَ عَلَيْهِمَا ; لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ , وَقَوْلُ الْمَجْنُونِ لَيْسَ صَحِيحًا , فَلَا قَسَامَةَ عَلَيْهِمَا , كَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لَا تَشْتَرِكُ فِي الْقَسَامَةِ وَالدِّيَةِ إذَا كَانَ الْقَتِيلُ فِي غَيْرِ مِلْكِهَا , وَعَلَيْهَا الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهَا إذَا كَانَ الْقَتْلُ فِي مِلْكِهَا , وَهَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ; لِأَنَّهَا مَسْئُولَةٌ عَنْ تَدْبِيرِ مِلْكِهَا , لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْمَالِكِ هُوَ الْمِلْكُ مَعَ أَهْلِيَّةِ الْقَسَامَةِ , وَقَدْ وُجِدَا فِي حَقِّهَا , أَمَّا الْمِلْكُ فَثَابِتٌ لَهَا , وَأَمَّا الْأَهْلِيَّةُ فَلِأَنَّ الْقَسَامَةَ يَمِينٌ وَأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ , أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُسْتَحْلَفُ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ , وَمَعْنَى النُّصْرَةِ يُرَاعَى وُجُودُهُ فِي الْجُمْلَةِ لَا فِي كُلِّ فَرْدٍ , كَالْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ . أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ: فَإِنَّهُمْ سَوَاءٌ فِي الْقَسَامَةِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ , خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ الَّذِي يَرَى أَنَّ الْقَسَامَةَ عَلَى الْحَاضِرِ فَقَطْ دُونَ الْغَائِبِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مَسْئُولًا عَنْ تَدْبِيرِ الْمَحَلَّةِ أَثْنَاءَ غِيَابِهِ .
22 -الْإِسْلَامُ هُوَ أَحَدُ الشُّرُوطِ الَّتِي يَشْتَرِطُهَا الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يُقَلَّدُ الْقَضَاءَ , فَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ الْكَافِرِ لقوله تعالى: { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا } , سَوَاءٌ أَكَانَتْ تَوْلِيَتُهُ لِلْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَمْ بَيْنَ أَهْلِ دِينِهِ , لَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَجَازَ تَقْلِيدَهُ الْقَضَاءَ بَيْنَ أَهْلِ دِينِهِ , لِجَوَازِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ; وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتْ وِلَايَتُهُمْ فِي الْمَنَاكِحِ جَازَتْ فِي الْأَحْكَامِ . وَاعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ الْجَارِي فِي تَقْلِيدِهِمْ قَالَ الشِّرْبِينِيُّ: أَمَّا جَرَيَانُ الْعَادَةِ بِنَصْبِ حَاكِمٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: إنَّمَا هِيَ زَعَامَةٌ وَرِيَاسَةٌ , لَا تَقْلِيدُ حُكْمٍ وَقَضَاءٍ , وَلَا يَلْزَمُهُمْ حُكْمُهُ بِإِلْزَامِهِ بَلْ بِالْتِزَامِهِمْ وَلَا يُلْزَمُونَ بِالتَّحَاكُمِ عِنْدَهُ .
وِلَايَةُ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ (2) :
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 12214)
(2) -الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 12215)