بِقَسَامَتِهِمْ هُوَ الدِّيَةُ , فَيَسْتَحِقُّ كُلٌّ مِنْهُمْ قِسْطَهُ مِنْهَا . وَعَلَى ذَلِكَ يَحْلِفُ أَوْلِيَاءُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ - وَهُمْ وَرَثَتُهُ - وَتُوَزَّعُ الْأَيْمَانُ كَسِهَامِ التَّرِكَةِ , وَيُبْدَأُ بِالذُّكُورِ , وَتُرَدُّ الْقَسَامَةُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ إلَّا النِّسَاءُ , وَكَذَا إذَا نَكَلَ الْمُدَّعِي فَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ , فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ وَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِ , وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعُونَ وَلَمْ يَرْضَوْا بِأَيْمَانِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ , قِيَاسًا عَلَى مَنْ قُتِلَ فِي زِحَامٍ وَلَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ كَقَتِيلٍ فِي الطَّوَافِ أَوْ فِي جُمُعَةٍ . وَالْحَنَفِيَّةُ يُوجِبُونَ الْقَسَامَةَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دُونَ الْمُدَّعِي , وَبِنَاءً عَلَيْهِ يَخْتَارُ الْوَلِيُّ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ الْمَحَلَّةِ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا الْقَتِيلُ وَيُحَلِّفُهُمْ , وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ الصَّالِحِينَ أَوْ الْفَسَقَةَ , كَمَا يَحِقُّ لَهُ اخْتِيَارُ الشُّبَّانِ وَالشُّيُوخِ , وَيَكُونُ الِاخْتِيَارُ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا الْقَتِيلُ , وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ تَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ , أَيْ عَوَاقِلِ كُلِّ مَنْ فِي الْمَحَلَّةِ . وَقَدْ اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ فِيمَا لَوْ خَصَّ الْوَلِيُّ قَاتِلًا مُعَيَّنًا مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ . الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: يُوجِبُ الْقَسَامَةَ عَلَى خَمْسِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ ; لِأَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَسْقُطُ عَنْهُمْ إذَا لَمْ تَكُنْ لِلْوَلِيِّ بَيِّنَةٌ تُدِينُ الْقَاتِلَ الْمُخَصَّصَ , قَالَ السَّرَخْسِيُّ: وَإِنْ ادَّعَى أَهْلُ الْقَتِيلِ عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ الَّذِينَ وُجِدَ الْقَتِيلُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَقَالُوا: قَتَلَهُ فُلَانٌ عَمْدًا أَوْ خَطَأً , لَمْ يُبْطِلْ هَذَا حَقَّهُ , وَفِيهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ ; لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا مَا كَانَ مَعْلُومًا لَنَا بِطَرِيقِ الظَّاهِرِ , وَهُوَ أَنَّ الْقَاتِلَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ , وَلَكِنَّا لَا نَعْلَمُ ذَلِكَ حَقِيقَةً . الْقَوْلُ الثَّانِي: رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ أَسْقَطَ الْقَسَامَةَ عَنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ , لِأَنَّ دَعْوَى الْوَلِيِّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ , يَكُونُ إبْرَاءً لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ عَنْ الْقَسَامَةِ فِي الْقَتِيلِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ قَاتِلُهُ , فَإِذَا زَعَمَ الْوَلِيُّ أَنَّهُ يُعْرَفُ الْقَاتِلُ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ , صَارَ مُبْرِئًا لَهُمْ عَنْ الْقَسَامَةِ وَذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْهُ , فَإِنْ أَقَامَ الْوَلِيُّ شَاهِدَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ , فَقَدْ أَثْبَتَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ بِالْحُجَّةِ , فَيُقْضَى عَلَيْهِ بِمُوجِبِهِ , وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا ; لِأَنَّ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ خُصُومٌ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ مَا بَقِيَتْ الْقَسَامَةُ . وَتَسْقُطُ الْقَسَامَةُ عَنْ الْمَحَلَّةِ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا الْقَتِيلُ إذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ الْمَحَلَّةِ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا الْقَتِيلُ , وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى إنْ لَمْ تَكُنْ لِلْوَلِيِّ بَيِّنَةٌ , لِلتَّنَاقُضِ بَيْنَ الْإِبْرَاءِ وَالِاتِّهَامِ , وَإِذَا اتَّهَمَتْ الْمَحَلَّةُ قَاتِلًا مُعَيَّنًا فِيهَا أَوْ فِي غَيْرِهَا كُلِّفَتْ بِإِحْضَارِ الْبَيِّنَةِ , فَإِنْ أَحْضَرَتْ الْبَيِّنَةَ وَوَافَقَ الْوَلِيُّ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ فِي الْعَمْدِ , وَالدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ , قَالَ الْكَاسَانِيُّ: وَلَوْ ادَّعَى أَهْلُ تِلْكَ الْمَحَلَّةِ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ تَصِحُّ دَعْوَاهُمْ , فَإِنْ أَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ , وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ إنْ وَافَقَهُمْ الْأَوْلِيَاءُ فِي الدَّعْوَى عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ , وَإِنْ لَمْ يُوَافِقُوهُمْ فِي الدَّعْوَى عَلَيْهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ; لِأَنَّ الْأَوْلِيَاءَ قَدْ أَبْرَءُوهُ حَيْثُ أَنْكَرُوا وُجُودَ الْقَتْلِ مِنْهُ , وَلَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَيْضًا شَيْءٌ ; لِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ , وَإِنْ لَمْ يَقُمْ لَهُمْ الْبَيِّنَةُ وَحَلَفَ ذَلِكَ الرَّجُلُ , تَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ . وَإِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةٍ وَكَانَ أَهْلُهَا مُسْلِمِينَ وَبَيْنَهُمْ ذِمِّيٌّ , فَلَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ عَلَيْهِ لِأَنَّ تَدْبِيرَ الْمِلْكِ وَالْمُحَافَظَةَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْمُسْلِمِينَ , وَلَا يُزَاحِمُهُمْ الذِّمِّيُّ , لِأَنَّهُ تَابِعٌ , فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ النِّسَاءِ , أَمَّا إذَا كَانَ الْقَتْلُ فِي قَرْيَةٍ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ , فَقَدْ وَجَبَتْ