فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 743

62 -اسْتِيفَاءُ الْجِزْيَةِ مِنْ أَعْيَانِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِمَالٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ , وَمَالٌ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ , فَلَا يَجُوزُ أَخْذُهَا فِي الْجِزْيَةِ . وَأَمَّا اسْتِيفَاءُ الْجِزْيَةِ مِنْ ثَمَنِ مَا بَاعُوهُ مِنْ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِهِ . فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ إذَا تَوَلَّى الذِّمِّيُّ بَيْعَهَا . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي: 1 - مَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ - بِسَنَدِهِ - عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ:"بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ نَاسًا يَأْخُذُونَ الْجِزْيَةَ مِنْ الْخَنَازِيرِ , وَقَامَ بِلَالٌ فَقَالَ: إنَّهُمْ لَيَفْعَلُونَ , فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَفْعَلُوا: وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ بِلَالًا قَالَ لِعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ: إنَّ عُمَّالَك يَأْخُذُونَ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ فِي الْخَرَاجِ , فَقَالَ: لَا تَأْخُذُوا مِنْهُمْ , وَلَكِنْ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا , وَخُذُوا أَنْتُمْ مِنْ الثَّمَنِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:"يُرِيدُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مِنْ جِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ وَخَرَاجِ أَرْضِهِمْ بِقِيمَتِهَا ثُمَّ يَتَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ بَيْعَهَا , فَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ بِلَالٌ , وَنَهَى عَنْهُ عُمَرُ , ثُمَّ رَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْ أَثْمَانِهَا إذَا كَانَ أَهْلُ الذِّمَّةِ هُمْ الْمُتَوَلِّينَ لِبَيْعِهَا ; لِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالٌ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا تَكُونُ مَالًا لِلْمُسْلِمِينَ". 2 - وَلِأَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ الَّتِي نُقِرُّهُمْ عَلَى اقْتِنَائِهَا , وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا , فَجَازَ أَخْذُ أَثْمَانِهَا مِنْهُمْ كَثِيَابِهِمْ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إلَى عَدَمِ جَوَازِ اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ مِنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي: 1 - رَوَى الْبَيْهَقِيُّ - بِسَنَدِهِ - إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { إنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَثَمَنَهَا وَحَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَثَمَنَهَا , وَحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وَثَمَنَهُ } . 2 - وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ:"إنَّ اللَّهَ إذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ . 3 - وَلِأَنَّ ثَمَنَ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ فِي اعْتِقَادِنَا فَحَرُمَ عَلَيْنَا أَخْذُ الثَّمَنِ عِنْدَ الْعِلْمِ بِهِ كَالْمَسْرُوقِ وَالْمَغْصُوبِ .

تَأْخِيرُهُمْ إلَى غَلَّاتِهِمْ :

63 -مِمَّا يُرَاعَى فِي اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ تَأْخِيرُ مَنْ فُرِضَتْ عَلَيْهِمْ إلَى غَلَّاتِهِمْ , أَيْ حَتَّى تَنْضَجَ الثِّمَارُ , وَتُحْصَدَ الزُّرُوعُ فَيَتَمَكَّنُوا مِنْ بَيْعِهَا وَأَدَاءِ الْجِزْيَةِ . وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ - بِسَنَدِهِ - إلَى سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ:"قَدِمَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حُذَيْمٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , فَلَمَّا أَتَاهُ عَلَاهُ بِالدُّرَّةِ , فَقَالَ سَعِيدٌ: سَبَقَ سَيْلُك مَطَرَك , إنْ تُعَاقِبْ نَصْبِرْ , وَإِنْ تَعْفُ نَشْكُرُ , وَإِنْ تَسْتَعْتِبْ نَعْتِبْ , فَقَالَ: مَا عَلَى الْمُسْلِمِ إلَّا هَذَا , مَا لَك تُبْطِئُ فِي الْخَرَاجِ ؟ قَالَ: أَمَرْتنَا أَلَا نُزِيدَ الْفَلَّاحِينَ عَلَى أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ فَلَسْنَا نُزِيدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ , وَلَكِنَّنَا نُؤَخِّرُهُمْ إلَى غَلَّاتِهِمْ . فَقَالَ عُمَرُ: لَا عَزَلْتُك مَا حَيِيت . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:"وَإِنَّمَا وَجْهُ التَّأْخِيرِ إلَى الْغَلَّةِ الرِّفْقُ بِهِمْ , وَلَمْ نَسْمَعْ فِي اسْتِيدَاءِ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ وَقْتًا مِنْ الزَّمَانِ يُجْتَبَى فِيهِ غَيْرَ هَذَا .

اسْتِيفَاءُ الْجِزْيَةِ عَلَى أَقْسَاطٍ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت