فهرس الكتاب
وإن نال مسلما بما دون هذا في ماله أو عرضه لزمه فيه الحكم ثم قال فهذه الشروط لازمة له إن رضيها فيها فإن لم يرضها فلا عقد له ولا جزية . ثم قال وأيهم قال أو فعل شيئا مما وصفته نقضا للعهد وأسلم لم يقتل إذا كان ذلك قولا وكذلك إذا كان فعلا لم يقتل إلا أن يكون في دين المسلمين أن من فعله قتل أحدا أو قصاصا فيقتل بحد إو قصاص لا بنقض عهد وإن فعل ما وصفنا وشرط أنه نقض لعهد الذمة فلم يسلم لكنه قال أتوب وأعطي الجزية كما كنت أعطيها أو على صلح أجدده عوقب ولم يقتل إلا أن يكون فعل فعلا يوجب القصاص والحد فأما ما دون هذا من الفعل والقول فكل قول يعاقب عليه ولا يقتل . قال فإن فعل أو قال ما وصفنا وشرط أن يحل دمه فظفر به فامتنع من أن يقول أسلم أو أعطي الجزية قتل وأخذ ماله فيئا . ونص في الأم أيضا أن العهد لا ينتقض بقطع الطريق ولا بقتل المسلم ولا بالزنى بالمسلمة ولا بالتجسس بل يحد فيما فيه الحد ويعاقب عقوبة منكلة فيما فيه العقوبة ولا يقتل إلا بأنه يجب عليه القتل .
قال ولا يكون النقض للعهد إلا بمنع الجزية أو الحكم بعد الإقرار والامتناع بذلك ولو قال أؤدي الجزية ولا أقر بالحكم نبذ إليه ولم يقاتل على ذلك مكانه وقيل له قد تقدم لك أمان بأدائك للجزية وإقرارك بها وقد أجلناك في أن تخرج من بلاد الإسلام ثم إذا خرج مبلغ مأمنه قتل إن قدر عليه هذا لفظه . وحكى ابن المنذر والخطابي عن الشافعي أيضا أن عهده ينتقض بسب النبي صلى الله عليه وسلم ويقتل . وأما أصحابه فذكروا فيما إذا ذكر الله أو رسوله بسوء وجهين أحدهما ينتقض عهده بذلك سواء شرط عليه تركه أو لم يشترط كما إذا قاتلوا المسلمين أو امتنعوا من التزام الحكم كطريقة أبي الحسين من أصحابنا وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي . ومنهم من خص سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده بأنه يوجب القتل .
والثاني أن السب كالأفعال التي على المسلمين فيها ضرر من قتل المسلم والزنى بالمسلمة والجس وما ذكر معه . وذكروا في تلك الأمور وجهين أحدهما أنه إن لم يشرط عليهم تركها بأعيانها لم ينتقض العهد بفعلها وإن شرط عليهم تركها بأعيانها ففي انتقاض العهد بذلك وجهان والثاني لا ينتقض العهد بفعلها مطلقا . ومنهم من حكى هذه الوجوه أقوالا وهي أقوال مشار إليها فيجوز أن تسمى أقوالا ووجوها . هذه طريقة العراقيين وقد صرحوا بأن المراد شرط تركها لا شرط انتقاض العهد بفعلها كما ذكره أصحاب أحمد . وأما الخراسانيون فقالوا المراد بالاشتراط هنا شرط انتقاض العهد بفعلها لا شرط تركها . قالوا إن الشرط موجب نفس العقد وذكروا في تلك الخصال المضرة ثلاثة أوجه أحدها ينتقض العهد بفعلها . والثاني لا ينتقض . والثالث إن شرط في العقد انتقاض العهد بفعلها انتقض وإلا فلا . ومنهم من قال إن شرط نقض وجها واحدا وإن لم يشرط فوجهان .
وحسبوا أن مراد العراقيين بالاشتراط هذا فقالوا حكاية عنهم وإن لم يجر شرط لم ينتقض العهد وإن جرى فوجهان ويلزم من هذا أن يكون العراقيون قائلين بأنه إن لم يجر شر ط الانتقاض بهذه الأشياء لم ينتقض بها قولا واحدا وإن صرح بشرط تركها انتقض . وهذا غلط عليهم والذي نصروه في كتب الخلاف أن سب النبي صلى الله عليه وسلم ينقض العهد ويوجب القتل كما ذكرناه عن الشافعي نفسه .
وأما مالك وأصحابه رحمهم الله تعالى فقالوا ينتقض العهد بالقتال أو منع الجزية أو التمرد على الأحكام أو إكراه المسلمة على الزنى أو التطلع على عورات المسلمين . قالوا ومن نقض عهده وجب قتله ولم يسقط بإسلامه . 3قالوا ومن سب منهم أحدا من الأنبياء وجب قتله إلا أن يسلم . وأما قطع الطريق والسرقة ونحوهما فحكمه فيها حكم المسلمين يقام عليه فيه الحد كما يقام على المسلمين وليس ذلك من باب نقض العهد . قالوا وأما رفع أصواتهم بكتابهم وركوب السروج وترك الغيار وإظهار معتقدهم في عيسى ونحو ذلك مما لا ضرر فيه على المسلمين فإنما
يوجب التأديب لا القتل . قالوا وإذا ظهر نقض العهد من بعضهم فإن أنكر عليه الباقون وظهر منهم كراهية ذلك اختص النقض به . وإن ظهر رضاهم بذلك كان نقضا من جميعهم فعلامة بقائهم على العهد إنكارهم على من نقض عهده .
وأما أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى فقالوا لا ينتقض العهد إلا بأن يكون لهم منعه فيمتنعون من الإمام ويمنعون الجزية ولا يمكنه إجراء الأحكام عليهم . فأما إذا امتنع الواحد منهم عن أداء الجزية أو فعل شيئا من هذه الأشياء التي فيها ضرر على المسلمين أو غضاضة على الإسلام لم يصر ناقضا للعهد لكن من أصولهم أن ما لا قتل فيه عندهم مثل القتل بالمثقّل والتلوط وسب الذمي لله ورسوله وكتابه ونحو ذلك إذا تكرر فعلى الإمام أن يقتل فاعله تعزيرا .