36 -ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ عِنْدَهُمْ إلَى أَنَّ مَا يُصِيبُهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَهُمْ مَنَعَةٌ أُخْرِجَ خُمُسُهُ , وَالْبَاقِي غَنِيمَةٌ بَيْنَهُمْ , لِأَنَّهُ غَنِيمَةُ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ , فَأَشْبَهَ غَنِيمَةَ الْمُسْلِمِينَ , إذْ إنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ تَبَعٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي السُّكْنَى حِينَ صَارُوا مِنْ أَهْلِ دَارِنَا , فَيَكُونُونَ تَبَعًا لِلْمُسْلِمِينَ فِيمَا يُصِيبُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَيْضًا , وَقَدْ تَمَّ الْإِحْرَازُ بِالْكُلِّ , فَلِهَذَا يُخَمَّسُ جَمِيعُ الْمُصَابِ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَا يُخَمَّسُ مَا أَخَذَهُ الذِّمِّيُّونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ; لِأَنَّ الْخُمُسَ حَقٌّ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَالزَّكَاةِ . وَمَا أَصَابَ الْمُسْتَأْمَنُونَ فَهُوَ لَهُمْ لَا خُمُسَ فِيهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ . وَهُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ , إذْ الْخُمُسُ عِنْدَهُمْ حَقٌّ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَطْ كَالزَّكَاةِ , فَلَا مَجَالَ لِتَخْمِيسِ مَا يَأْخُذُهُ الْمُسْتَأْمَنُونَ . وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُعْطَى لَهُ شَيْءٌ وَلَوْ قَاتَلَ .
غِيلَةٌ (2)
1 -مِنْ مَعَانِي الْغِيلَةِ فِي اللُّغَةِ: الْخَدِيعَةُ . يُقَالُ: قُتِلَ فُلَانٌ غِيلَةً , أَيْ: خُدْعَةً , وَهُوَ أَنْ يَخْدَعَهُ فَيَذْهَبَ بِهِ إلَى مَوْضِعٍ , فَإِذَا صَارَ إلَيْهِ قَتَلَهُ . وَالْغِيلَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: إيصَالُ الشَّرِّ وَالْقَتْلِ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ وَلَا يَشْعُرُ . وَمِنْ مَعَانِي الْغِيلَةِ فِي اللُّغَةِ كَذَلِكَ: وَطْءُ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ , وَإِرْضَاعُ الْمَرْأَةِ وَلَدَهَا وَهِيَ حَامِلٌ . وَلَا يَخْرُجُ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ عَنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ .
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغِيلَةِ مِنْ أَحْكَامٍ: الْقَتْلُ غِيلَةٌ:
2 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ عُقُوبَةَ الْقَتْلِ الْعَمْدِ عُدْوَانًا الْقِصَاصُ , سَوَاءٌ أَكَانَ الْقَتْلُ غِيلَةً أَمْ لَمْ يَكُنْ . وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ , فِيمَا إذَا كَانَ الْقَتْلُ غِيلَةً .
وَمِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ: أ - ( قَتْلُ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ ) : 3 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ مُطْلَقًا , وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم { لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ } , وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ , وَلَا يَبْلُغُ بِحَبْسِهِ سَنَةً , وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: عَلَيْهِ الدِّيَةُ فَقَطْ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ , لقوله تعالى: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } , وَلِمَا رَوَى جَابِرٌ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم { قَادَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ , وَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِذِمَّتِهِ } ; وَلِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْعِصْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ ; وَلِأَنَّ عَدَمَ الْقِصَاصِ فِيهِ تَنْفِيرٌ لَهُمْ عَنْ قَبُولِ عَقْدِ الذِّمَّةِ . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إذَا قَتَلَهُ غِيلَةً بِأَنْ خَدَعَهُ حَتَّى ذَهَبَ بِهِ إلَى مَوْضِعٍ فَقَتَلَهُ , يُقْتَلُ بِهِ سِيَاسَةً لَا قِصَاصًا , أَمَّا إذَا لَمْ يَقْتُلْهُ غِيلَةً , فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ فَقَطْ .
فِدَاءُ الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ , بِآلَاتِ الْحَرْبِ , وَالْكُرَاعِ (3) :
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 11426)
(2) -الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 11454)
(3) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 11532)