الْأَدِلَّةِ الْمُتَعَدِّدَةِ وَالتَّفَرُّغُ لَهُ عَمَّا يَشْغَلُ بِهِ غَيْرَهُمْ . وَلِهَذَا مَضَتْ السُّنَّةُ بِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ يَلْزَمُ كَالشُّرُوعِ فِي الْحَجِّ يَعْنِي أَنَّ مَا حَفِظَهُ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ وَعِلْمِ الْجِهَادِ لَيْسَ لَهُ إضَاعَتُهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ أَجْذَمُ } رَوَاهُ أَبُو داود . وَقَالَ: { عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي - حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا - فَرَأَيْت فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا الرَّجُلُ يُؤْتِيهِ اللَّهُ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ يَنَامُ عَنْهَا حَتَّى يَنْسَاهَا } وَقَالَ: { مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَيْسَ مِنَّا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَكَذَلِكَ الشُّرُوعُ فِي عَمَلِ الْجِهَادِ . فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا صافوا عَدُوًّا أَوْ حَاصَرُوا حِصْنًا لَيْسَ لَهُمْ الِانْصِرَافُ عَنْهُ حَتَّى يَفْتَحُوهُ . وَلِذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا يَنْبَغِي لِنَبِيِّ إذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَنْزِعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ } . فَالْمُرْصِدُونَ لِلْعِلْمِ عَلَيْهِمْ لِلْأُمَّةِ حِفْظُ عِلْمِ الدِّينِ وَتَبْلِيغُهُ ؛ فَإِذَا لَمْ يُبَلِّغُوهُمْ عِلْمَ الدِّينِ أَوْ ضَيَّعُوا حِفْظَهُ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ لِلْمُسْلِمِينَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } فَإِنَّ ضَرَرَ كِتْمَانِهِمْ تَعَدَّى إلَى الْبَهَائِمِ وَغَيْرِهَا فَلَعَنَهُمْ اللَّاعِنُونَ حَتَّى الْبَهَائِمُ . كَمَا أَنَّ مُعَلِّمَ الْخَيْرِ يُصَلِّي عَلَيْهِ اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْبَحْرِ وَالطَّيْرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ . وَكَذَلِكَ كَذِبُهُمْ فِي الْعِلْمِ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ . وَكَذَلِكَ إظْهَارُهُمْ لِلْمَعَاصِي وَالْبِدَعِ الَّتِي تَمْنَعُ الثِّقَةَ بِأَقْوَالِهِمْ . وَتَصْرِفُ الْقُلُوبَ عَنْ اتِّبَاعِهِمْ وَتَقْتَضِي مُتَابَعَةَ النَّاسِ لَهُمْ فِيهَا ؛ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ وَيَسْتَحِقُّونَ مِنْ الذَّمِّ وَالْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ أَظْهَرَ الْكَذِبَ وَالْمَعَاصِيَ وَالْبِدَعَ مِنْ غَيْرِهِمْ ؛ لِأَنَّ إظْهَارَ غَيْرِ الْعَالِمِ - وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ ضَرَرٍ - فَلَيْسَ هُوَ مِثْلُ الْعَالِمِ فِي الضَّرَرِ الَّذِي يَمْنَعُ ظُهُورَ الْحَقِّ وَيُوجِبُ ظُهُورَ الْبَاطِلِ ؛ فَإِنَّ إظْهَارَ هَؤُلَاءِ لِلْفُجُورِ وَالْبِدَعِ بِمَنْزِلَةِ إعْرَاضِ الْمُقَاتِلَةِ عَنْ الْجِهَادِ وَدَفْعِ الْعَدُوِّ ؛ لَيْسَ هُوَ مِثْلُ إعْرَاضِ آحَادِ الْمُقَاتِلَةِ ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ . فَتَرْكُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِتَبْلِيغِ الدِّينِ كَتَرْكِ أَهْلِ الْقِتَالِ لِلْجِهَادِ وَتَرْكِ أَهْلِ الْقِتَالِ لِلْقِتَالِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ كَتَرْكِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلتَّبْلِيغِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ كِلَاهُمَا ذَنْبٌ عَظِيمٌ ؛ وَلَيْسَ هُوَ مِثْلُ تَرْكِ مَا تَحْتَاجُ الْأُمَّةُ إلَيْهِ مِمَّا هُوَ مُفَوَّضٌ إلَيْهِمْ ؛ فَإِنَّ تَرْكَ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ تَرْكِ أَدَاءِ الْمَالِ الْوَاجِبِ إلَى مُسْتَحَقِّهِ . وَمَا يُظْهِرُونَهُ مِنْ الْبِدَعِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي تَمْنَعُ قَبُولَ قَوْلِهِمْ وَتَدْعُو النُّفُوسَ إلَى مُوَافَقَتِهِمْ وَتَمَنُّعُهُمْ وَغَيْرُهُمْ مِنْ إظْهَارِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ: أَشَدُّ ضَرَرًا لِلْأُمَّةِ وَضَرَرًا عَلَيْهِمْ مِنْ إظْهَارِ غَيْرِهِمْ لِذَلِكَ . وَلِهَذَا جَبَلَ اللَّهُ قُلُوبَ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهَا تَسْتَعْظِمُ جُبْنَ الْجُنْدِيِّ وَفَشَلَهُ وَتَرْكَهُ لِلْجِهَادِ وَمُعَاوَنَتَهُ لِلْعَدُوِّ: أَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَعْظِمُهُ مِنْ غَيْرِهِ . وَتَسْتَعْظِمُ إظْهَارَ الْعَالِمِ الْفُسُوقَ وَالْبِدَعَ: أَكْثَرَ مِمَّا تَسْتَعْظِمُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ ؛ بِخِلَافِ فُسُوقِ الْجُنْدِيِّ وَظُلْمِهِ وَفَاحِشَتِهِ ؛ وَبِخِلَافِ قُعُودِ الْعَالِمِ عَنْ الْجِهَادِ بِالْبَدَنِ . وَمِثْلُ ذَلِكَ وُلَاةُ الْأُمُورِ كُلٌّ بِحَسَبِهِ مِنْ الْوَالِي وَالْقَاضِي ؛ فَإِنَّ تَفْرِيطَ أَحَدِهِمْ فِيمَا عَلَيْهِ رِعَايَتُهُ مِنْ مَصَالِحِ الْأُمَّةِ أَوْ فِعْلٍ ضِدِّ ذَلِكَ مِنْ الْعُدْوَانِ عَلَيْهِمْ: يُسْتَعْظَمُ أَعْظَمَ مِمَّا يُسْتَعْظَمُ ذَنْبٌ يَخُصُّ أَحَدَهُمْ .
وُجُوبِ الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُعَاهِدِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ (1)
(1) - مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 6 / ص 349)