فهرس الكتاب

الصفحة 589 من 743

الثالث: أن الحديث مصرح بأنها إنما قتلت لأجل ما ذكرته من الهجاء و أن سائر قومها تركوا إذ لم يهجوا و أنهم لو هجوا لفعل بهم كما فعل بها فظهر بذلك أن الهجاء موجب بنفسه للقتل سواء كان الهاجي حربيا أو مسلما أو معاهدا حتى يجوز أن يقتل لأجله من لا يقتله بدونه و إن كان الحربي المقاتل يجوز قتله من وجه آخر و ذلك في المسلم ظاهر و أما في المعاهد فلأن الهجاء إذا أباح دم المرأة فهو كقتال أو أسوأ حالا من القتال

الرابع: أن المسلمين كانوا ممنوعين قبل الهجرة و في أوائل الهجرة من الابتداء بالقتال و كان قتل الكفار حينئذ محرما و هو من قتل النفس بغير حق كما قال تعالى: { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم } إلى قوله { فلما كتب عليهم القتال } [ البقرة: 246 ] و لهذا أول ما أنزل من القرآن فيه نزل بالإباحة لقوله: { أذن للذين يقاتلون } و هذا من العلم العام بين أهل المعرفة بسيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يخفى على أحد منهم أنه صلى الل عليه و سلم كان قبل الهجرة و بعيدها ممنوعا عن الابتداء بالقتل و القتال و لهذا قال للأنصار الذين بايعوه ليلة العقبة لما استأذنوه في أن يميلوا على أهل منى [ إنه لم يؤذن لي في القتال ] و ذلك حينئذ بمنزلة الأنبياء الذين لم يؤمروا بالقتال كنوح و هود و صالح و إبراهيم و عيسى بل كأكثر الأنبياء غير أنبياء بني إسرائيل

ثم إنه لم يقاتل أحدا من أهل المدينة و لم يأمر بقتل أحد من رؤوسهم الذين كانوا يجمعونهم على الكفر و لا من غيرهم و الآيات التي نزلت إذ ذاك إنما تأمر بقتال الذين أخرجوهم و قاتلوهم و نحو ذلك و ظاهر هذا أنه لم يؤذن لهم إذ ذاك في ابتداء قتل الكافرين من أهل المدينة فإن دوام إمساكه عنهم يدل على استحبابه أو وجوبه و هو في الوجوب أظهر لما ذكرنا لأن الإمساك كان واجبا و المغير لحاله لم يشمل أهل المدينة فيبقى على الوجوب المتقدم مع فعله صلى الله عليه و سلم

قال موسى بن عقبة عن الزهري: كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم في عدوه قبل أن تنزل براءة يقاتل من قاتله و من كف يده و عاهده كف عنه قال الله تعالى: { فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم و ألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } [ النساء: 90 ]

و كان القرآن ينسخ بعضه بعضا فإذا نزلت آية نسخت التي قبلها و عمل بالتي أنزلت و بلغت الأولى منتهى العمل بها و كان ما قد عمل بها قبل ذلك طاعة لله حتى نزلت براءة و إذ أمر بقتل هذه المرأة التي هجت و لم يؤذن له في قتل قبيلتها الكافرين على أن السب موجب للقتل و إن كان هناك ما يمنع القتال لولا السب كالعهد و الأنوثة و منع قتل الكافر الممسك أو عدم إباحته

و هذا وجه حسن دقيق فإن الأصل أن دم الآدمي معصوم لا يقتل إلا بالحق و ليس القتل للكفر من الأمر الذي اتفقت عليه الشرائع و لا أوقات الشريعة الواحدة كالقتل قودا فإنه مما لا تختلف فيه الشرائع و لا العقول و كان دم الكافرين في أول الإسلام معصوما بالعصمة الأصلية و بمنع الله المؤمنين من قتله و دماء هؤلاء القوم كدم القبطي الذي قتله موسى و كدم الكافر الذي لم تبلغه الدعوة في زماننا أو أحسن حالا من ذلك و قد عد موسى ذلك ذنبا في الدنيا و الآخرة مع أن قتله كان خطأ شبه عمد أو خطأ محضا و لم يكن عمدا محضا

فظاهر سيرة نبينا و ظاهر ما أذن له فيه أن حال أهل المدينة إذ ذاك ممن لم يسلم كانت كهذه الحال فإذا قتل المرأة التي هجت من هؤلاء و ليسوا عنده محاربين بحيث يجوز قتالهم مطلقا كان قتل امرأة التي تهجوه من أهل الذمة بهذه المثابة و أولى لأن هذه قد عاهدناها على أن لا تسب و على أن تكون صاغرة و تلك لم نعاهدها على شيء

الحديث السابع: قصة أبي عفك اليهودي ذكرها أهل المغازي و السير قال الواقدي: حدثنا سعيد بن محمد عن عمارة بن غزية و حدثناه أبو مصعب إسماعيل بن مصعب بن إسماعيل بن زيد بن ثابت عن أشياخه قالا: إن شيخا من بني عمرو بن عوف يقال له أبو عفك ـ و كان شيخا كبيرا قد بلغ عشرين و مائة سنة حين قدم النبي صلى الله عليه و سلم كان يحرض على عداوة النبي صلى الله عليه و سلم و لم يدخل في الإسلام فلما خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بدر ظفره الله بما ظفره فحسده و بغى فقال و ذكر قصيدة تتضمن هجو النبي صلى الله عليه و سلم و ذم من اتبعه أعظم ما فيها قوله:

( فسلبهم أمرهم راكب ... حراما حلالا لشتى معا )

قال سالم بن عمير: علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه فأمهل فطلب له غرة حتى كانت ليلة صائفة فنام أبو عفك بالفناء في الصيف في بني عمرو بن عوف فأقبل سالم بن عمير فوضع السيف على كبده حتى خش في الفراش و صاح عدو الله فثاب إليه أناس ممن هم على قوله فأدخلوه منزله و قبروه و قالوا: من قتله ؟ و الله لو نعلم من قتله لقتلناه

و به ذكر [ محمدبن سعد ] أنه كان يهوديا و قد ذكرنا أن يهود المدينة كلهم كانوا قد عاهدوا ثم إنه لما هجا و أظهر الذم قتل قال الواقدي عن ابن رقش: [ قتل أبو عفك في شوال على رأس عشرين شهرا ] و هذا قديم قبل ابن الأشرف و هذا فيه دلالة واضحة على أن المعاهد إذا أظهر السب ينقض عهده و يقتل غيلة لكن هو من رواية أهل المغازي و هو يصلح أن يكون مؤيدا مؤكدا بلا تردد

حكم سب غير الرسول صلى الله عليه وسلم (1)

(1) - الصارم المسلول - (ج 1 / ص 213)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت