فهرس الكتاب

الصفحة 588 من 743

إذا تبين ذلك فمن المعلوم من سيرة النبي صلى الله عليه و سلم الظاهر علمه عند كل من له علم بالسيرة أنه صلى عليه و سلم لما قدم المدينة لم يحارب أحدا من أهل المدينة بل وادعهم حتى اليهود خصوصا بطون الأوس و الخزرج فإنه كان يسالمهم و يتألفهم بكل وجه ن و كان الناس إذ قدمها على طبقات: منهم المؤمن و هم الأكثرون و منهم الباقي على دينه و هو متروك لا يحارب و لا يحارب و هو و المؤمنون من قبيلته و حلفائهم أهل سلم لا أهل حرب حتى حلفاء الأنصار أقرهم النبي صلى الله عليه و سلم على حلفهم

قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة و ليس فيها دار من دور الأنصار إلا فيها رهط من المسلمين إلا بني خطمة و بني واقف و بني وائل كانوا آخر الأنصار إسلاما و حول المدينة حلفاء الأنصار كانوا يستظهرون بهم في حربهم فأمرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يخلوا حلف حلفائهم للحرب التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه و سلم و بين من عادى الإسلام

و كذلك قال الواقدي فيما رواه عن يزيد بن رومان و ابن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله في قصة كعب بن الأشرف قال: فكان الذي اجتمعوا عليه قالوا: [ إن ابن الأشرف كان شاعرا و كان يهجو النبي صلى الله عليه و سلم و أصحابه و يحرض عليهم كفار قريش في شعره ] و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قدم المدينة و أهلها أخلاط منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة الإسلام فيهم أهل الحلقة و الحصون و منهم حلفاء للحيين جميعا الأوس و الخزرج فأراد رسول الله صلى الله عليه و سلم ـ حين قدم المدينة ـ استصلاحهم كلهم و موادعتهم و كان الرجل يكون مسلما و أبوه مشركا و المعلوم أن قبائل الأوس كانوا حلفاء بعضهم لبعض

فإذا كان النبي صلى الله عليه و سلم قد أقرهم كانت هذه المرأة من المعاهدين و كان فيهم المظهر للإسلام المبطن لخلافه يقول بلسانه ما ليس في قلبه و كان الإسلام و الإيمان يفشو في بطون الأنصار بطنا بعد بطن حتى لم يبق فيهم مظهر للكفر بل صاروا إما مؤمنا أو منافقا و كان من لم يسلم منهم بمنزلة اليهود موادعا مهادنا أو هو أحسن حالا من اليهود لما يرجى فيه من العصبية لقومه و أن يهوى هواهم و لا يرى أن يخرج عن جماعتهم و كان النبي صلى الله عليه و سلم يعاملهم ـ من الكف عنهم و احتمال أذاهم ـ بأكثر مما يعامل به اليهود لما كان يرجوه منهم و يخاف من تغير قلوب من أظهر الإسلام من قبائلهم لو أوقع بهم و هو في ذلك متبع قوله تعالى: { لتبلون في أموالكم و أنفسكم و لتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم و من الذين اشركوا أذى كثيرا و إن تصبروا و تتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } [ آل عمران: 186 ]

ثم إنه مع هذا ندب الناس إلى قتل المرأة التي هجته و قال فيمن قتلها: [ إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله و رسوله بالغيب فانظروا إلى هذا ] فثبت بذلك أن هجاءه و ذمه موجب للقتل غير الكفر و ثبت أن الساب يجب قتله و إن كان من الحلفاء و المعاهدين و يقتل في الحال التي يحقن فيها دم من ساواه في غير السب و لا سيما و لو لم تكن معاهدة فقتل المرأة لا يجوز إلا أن تقاتل لأنه صلى الله عليه و سلم رأى امرأة في بعض مغازيه مقتولة فقال: [ ما كانت هذه لتقتاتل ] و نهى عن قتل النساء و الصبيان ثم إنه أمر يقتل هذه المرأة و لم تقاتل بيدها فلو لم يكن السب موجبا للقتل لم يجز قتلها لأن قتل المرأة لمجرد الكفر لا يجوز و لا نعلم قتل المرأة الكافرة الممسكة عن القتال أبيح في وقت من الأوقات بل القرآن و ترتيب نزوله على أنه لم يبح قط لأن أول آية نزلت في القتال: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و إن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم } الآية [ الحج: 40 ] فأباح للمؤمنين القتال دفعا عن نفوسهم و عقوبة لمن أخرجهم من ديارهم و منعهم من توحيد الله و عبادته و ليس للنساء في ذلك حظ

ثم إنه كتب عليهم القتال مطلقا و فسره بقوله: { و قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } الآية [ البقرة: 190 ] فمن ليس من أهل القتال لم يؤذن في قتاله و النساء لسن من أهل القتال فإذا كان قد أمر بقتل هذه المرأة فإما أن يقال [ هجاؤها قتال ] فهذا يفيدنا أن هجاء الذمي قتال فينقض العهد و يبيح الدم أو يقال [ ليس بقتال ] و هو الأظهر لما قدمناه من أنه لم يكن فيه تحريض على القتال و لا كان لها رأي في الحرب فيكون السب جناية مضرة بالمسلمين غير القتال موجبة للقتل بمنزلة قطع الطريق عليهم و نحو ذلك يفيد أن السب موجب للقتل بوجوه:

أحدها: أنه لو لم يكن موجبا للقتل لما جاز قتل المرأة و إن كانت حربية لأن الحربية إذا لم تقاتل بيد و لا لسان لم يجز قتلها إلا بجناية موجة للقتل و هذا ما أحسب فيه مخالفا لا سيما عند من يرى قتالها بمنزلة قتال الصائل

الثاني: أن هذه السابة كانت من المعاهدين ممن هو أحسن حالا من غير المعاهدين في ذلك الوقت فلو لم يكن السب موجبا لدمها لما قتلت و لما جاز قتلها و لهذا خاف الذي قتلها أن تتولد فتنة حتى قال النبي صلى الله عليه و سلم [ لا ينتطح فيها عنزان ] مع أن انتطاحهما إنما هو كالتشام فبين صلى الله عليه و سلم أنه لا يتحرك لذلك قليل من الفتن و لا كثير رحمة من الله بالمؤمنين و نصرا لرسوله و دينه فلو لم يكن هناك ما يحذر معه قتل هذه لولا الهجاء لما خيف هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت