فهرس الكتاب
12 -جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ , وَلَوْ كَانَ مُسْتَأْمَنًا , كَمَا لَا دِيَةَ عَلَيْهِمَا بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ غَيْرِ الْمُسْتَأْمَنِ ; بِسَبَبِ وُجُودِ الشُّبْهَةِ فِي إبَاحَةِ دَمِ الْحَرْبِيِّ , وَلِكَوْنِهِ مُبَاحَ الدَّمِ فِي الْأَصْلِ . وَشَرْطُ الْقِصَاصِ وَوُجُوبِ الدِّيَةِ: كَوْنُ الْمَقْتُولِ مَعْصُومَ الدَّمِ أَوْ مَحْقُونَ الدَّمِ , أَيْ يَحْرُمُ الِاعْتِدَاءُ عَلَى حَيَاتِهِ , بَلْ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِلُزُومِهَا فِي حَالَةِ قَتْلِ مُبَاحِ الدَّمِ - كَالْحَرْبِيِّ - قَتْلًا عَمْدًا .
ثَانِيًا: حُصُولُ الْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْحَرْبِيِّ بِمُعَامَلَةٍ يُحَرِّمُهَا الْإِسْلَامُ (1) :
13 -إذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ أَوْ الذِّمِّيُّ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَعَاقَدَ حَرْبِيًّا عَقْدًا مِثْلَ الرِّبَا , أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ , أَوْ أَخَذَ مَالَهُ بِالْمَيْسِرِ وَنَحْوِهِ مِمَّا حَرَّمَهُ الْإِسْلَامُ , لَمْ يَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ , وَمِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ . وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ حُرْمَةَ الرِّبَا ثَابِتَةٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ , أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِ فَظَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مُلْتَزِمٌ بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ حَيْثُمَا يَكُونُ , وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْحَرْبِيِّ ; فَلِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْمُحَرَّمَاتِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ } , وَآيَاتُ تَحْرِيمِ الرِّبَا , مِثْلُ قوله تعالى: { وَحَرَّمَ الرِّبَا } , وَسَائِرُ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا , وَهِيَ عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ الرِّبَا فِي كُلِّ مَكَان وَزَمَانٍ . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إلَى جَوَازِ ذَلِكَ , مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ مَالِ الْحَرْبِيِّ مِنْ غَيْرِ خِيَانَةٍ وَلَا غَدْرٍ ; لِأَنَّ الْعِصْمَةَ مُنْتَفِيَةٌ عَنْ مَالِهِ , فَإِتْلَافُهُ مُبَاحٌ , وَفِي عَقْدِ الرِّبَا وَنَحْوِهِ الْمُتَعَاقِدَانِ رَاضِيَانِ , فَلَا غَدْرَ فِيهِ , وَالرِّبَا وَنَحْوُهُ كَإِتْلَافِ الْمَالِ , وَهُوَ جَائِزٌ . قَالَ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ: وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ , فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ أَمْوَالَهُمْ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ الْمُبَاحَ عَلَى وَجْهٍ عَرَا عَنْ الْغَدْرِ , فَيَكُونُ ذَلِكَ طَيِّبًا مِنْهُ . وَأَمَّا خِيَانَةُ الْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمَنِ عِنْدَهُمْ فَمُحَرَّمَةٌ ; لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَعْطَوْا الْأَمَانَ لِلْمُسْلِمِ أَوْ الذِّمِّيِّ مَشْرُوطًا بِتَرْكِهِ خِيَانَتَهُمْ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَذْكُورًا فِي اللَّفْظِ , فَهُوَ مَعْلُومٌ فِي الْمَعْنَى , وَلِذَلِكَ مَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ بِأَمَانٍ فَخَانَنَا , كَانَ نَاقِضًا لِعَهْدِهِ . وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا لَمْ تَحِلَّ لِلْمُسْلِمِ خِيَانَةُ الْحَرْبِيِّينَ إذَا دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانٍ ; لِأَنَّهُ غَدْرٌ , وَلَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ , وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: { الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ } فَإِنْ خَانَهُمْ , أَوْ سَرَقَ مِنْهُمْ , أَوْ اقْتَرَضَ شَيْئًا , وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ إلَى أَرْبَابِهِ , فَإِنْ جَاءَ أَرْبَابُهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ , أَوْ إيمَانٍ , رَدَّهُ عَلَيْهِمْ , وَإِلَّا بَعَثَ بِهِ إلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى وَجْهٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ , فَلَزِمَهُ رَدُّ مَا أَخَذَ , كَمَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ . قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: وَمِمَّا يُوَافِقُ التَّنْزِيلَ وَالسُّنَّةَ وَيَعْقِلُهُ الْمُسْلِمُونَ , وَيَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ , أَنَّ الْحَلَالَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حَلَالٌ فِي بِلَادِ الْكُفْرِ , وَالْحَرَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حَرَامٌ فِي بِلَادِ الْكُفْرِ , فَمَنْ أَصَابَ حَرَامًا , فَقَدْ حَدَّهُ اللَّهُ عَلَى مَا شَاءَ مِنْهُ , وَلَا تَضَعُ عَنْهُ بِلَادُ الْكُفْرِ شَيْئًا .
(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 2469)
(2) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 2487)