ويمنعون من التلحي صرح بذلك أصحاب الشافعي في كتبهم . وقال أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري في شرح كتاب عمر بن الخطاب بعد أن ذكر المنع من لبس العمامة وكذلك لا يتلحى لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط وإنما أمر به المسلمين ومن آمن به واقتدى بأفعاله فمن فعله من أمته فإنما يفعله اتباعا لأمره واستعمالا لسنته وهو زي العرب من آباد الدهر وليس هو زي بني إسرائيل فلا يمكن الذمي منه لأنه ليس زي قومه فيما مضى فيجب ألا يكون زيا له الآن . قال أبو عبيد في هذا الحديث أصل التلحي في لبس العمائم وذلك لأن العمائم يقال لها المقعطة فإذا لاثها المعتم على رأسه ولم يجعلها تحت حنكه قيل اقتعطها فهو المنهي عنه فإذا أدارها تحت الحنك قيل تلحاها وكان طاوس يقول تلك عمة الشيطان يعني التي لا يتلحى بها . قال أبو القاسم وعمة الشيطان أهل الذمة بها أولى قال وكذلك إذا تعمموا لا يرسلون أطراف العمامة خلف ظهورهم لأن هذا هو السنة في التعمم بفعل الرسول بفعل عبدالرحمن بن عوف فيما روى الهيثم بن حميد عن صفوان بن عيلان عن عطاء بن أبي رباح عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عبدالرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية بعثه عليها فأصبح قد اعتم بعمامة سوداء . وقال أبو أسامة حدثنا عبيدالله عن نافع كان ابن عمر يعتم ويرخيها بين كتفيه قال عبيدالله وأخبرني أشياخنا أنهم رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتمون ويرخونها بين أكتافهم . فإرخاء الذؤابة من زي أهل العلم والفضل والشرف فلا يجوز أن يمكن الكفار من التشبه بهم فيه .
أي لا نتشبه بهم في نعالهم بل تكون نعالهم مخالفة لنعال المسلمين ليحصل كمال التمييز وعدم المشابهة في الزي الظاهر ليكون ذلك أبعد من المشابهة في الزي الباطن فإن المشابهة في أحدهما تدعو إلى المشابهة في الآخر بحسبها وهذا أمر معلوم بالمشاهدة فليس المقصود من الغيار والتمييز في اللباس وغيره مجرد تمييز الكافر عن المسلم بل هو من جملة المقاصد والمقصود الأعظم ترك الأسباب التي تدعو إلى موافقتهم ومشابهتهم باطنا والنبي صلى الله عليه وسلم سن لأمته ترك التشبه بهم بكل طريق وقال خالف هدينا هدي المشركين وعلى هذا الأصل
أكثر من مئة دليل حتى شرع لها في العبادات التي يحبها الله ورسوله تجنب مشابهتهم في مجرد الصورة كالصلاة والتطوع عند طلوع الشمس وغروبها فعوضنا بالتنفل في وقت لا تقع الشبهة بهم فيه . ولما كان صوم يوم عاشوراء لا يمكن التعويض عنه بغيره لفوات غير ذلك اليوم أمرنا أن نضم إليه يوما قبله ويوما بعده لتزول صورة المشابهة ثم لما قهر المسلمون أهل الذمة وصاروا تحت قهرهم وحكمهم ألزمهم أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بترك التشبه بالمسلمين كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بترك التشبه بهم فتضمن هذان الأصلان العظيمان مجانبتهم في الهدي الظاهر والباطن حتى في النعال فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة بالصلاة في نعالهم مخالفة لأهل الكتاب ونهاهم عمر رضي الله عنه أن يلبسوا نعال المسلمين .
الأصل في هذا الباب ما ثبت في الصحيح من حديث الزهري عن عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم وكان المشركون يفرقون رؤوسهم قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به فسدل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصيته ثم أمر بالفرق فكان الفرق آخر الأمرين . والسدل في اللغة الإرسال ومعناه في الشعر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرسل شعره وكان أولا يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه لمصلحة التأليف وغيرها فكان يحب أن يفرق شعره فأمسك عنه حتى يأتيه الأمر من الله فجاءه الأمر بالفرق فصار هو السنة . والفرق هو أن يقسم شعر الرأس نصفين بالسوية ويجعل ذؤابتين على زي الأشراف الذي لم تزل عليه العلويون والعباسيون . وهذا آخر الأمرين من فعله وهو الذي استقرت عليه السنة فلا يمكن منه أهل الذمة بل يؤمرون بأن يرسلوا شعورهم ويسدلوها ويجمعوا شعورهم حتى تكون كاللبنة من خلفهم . وقد وسم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من على رأسه شعر من أهل الذمة بوسم ينبغي اتباعه وهو أن تجز نواصيهم والناصية مقدار ربع الرأس فإذا كان ربعه محلوقا كان علما ظاهرا وأمرا مشهورا أنه ذمي وهذا معنى ما في كتاب أمير المؤمنين في الشروط وأن نجز مقادم رؤوسنا .
قال أبو القاسم أخبرنا علي بن عمر أخبرنا إسماعيل بن محمد حدثنا عباس الدوري ثنا خالد بن مخلد عن عبدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر رضي الله عنه أنه كان يكتب إلى عماله يأمرهم بجز نواصيهم يعني أهل الكتاب . قال أبو القاسم كذا قال خالد عن نافع عن ابن عمر وإنما هو عن أسلم عن عمر كذلك رواه عبدالرحمن بن مهدي عن عبدالله بن عمر العمري وهو الصواب .