29 -وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَبِلَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ أَوْ الْبَحْرَيْنِ . رَوَى ابْنُ زَنْجُوَيْهِ - بِسَنَدِهِ - إلَى الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: { كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى مَجُوسِ هَجَرَ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ . فَمَنْ أَسْلَمَ قُبِلَ مِنْهُ , وَمَنْ أَبَى ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ , وَأَنْ لَا يُؤْكَلَ لَهُمْ ذَبِيحَةٌ , وَلَا تُنْكَحَ لَهُمْ امْرَأَةٌ } . وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ { أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَالَ: مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ أَنِّي لَسَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ } . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا مِنْ الْكَلَامِ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ فَقَطْ , أَيْ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ , كَمَا تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ , وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ . وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ"أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ فَارِسٍ , وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ الْبَرْبَرِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِ , وَعَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ رضي الله عنهم وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلَا مُخَالِفٍ . وَقَدْ نَقَلَ هَذَا الْإِجْمَاعَ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ: مِنْهُمْ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ قُدَامَةَ . وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الْمَالِكِيُّ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُؤْخَذُ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , وَلَا تُقْبَلُ مِنْ الْمَجُوسِ , لقوله تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ } الْآيَةَ . فَإِنَّ مَفْهُومَهَا أَنَّ غَيْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْمَجُوسِ وَغَيْرِهِمْ لَا يُشَارِكُونَهُمْ فِي حُكْمِ الْآيَةِ . وَذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ الْمَالِكِيُّ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُقْبَلُ مِنْ الْمَجُوسِ الْعَرَبِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَرَبِ مَجُوسٌ إلَّا وَجَمِيعُهُمْ أَسْلَمَ , فَمَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ . وَقَدْ نُسِبَ هَذَا الْمَذْهَبُ أَيْضًا إلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ: ( مَجُوسٌ ) ."
30 -ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ الصَّابِئَةَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُمْ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ , وَلَا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ , وَلَكِنْ يُعَظِّمُونَهَا كَتَعْظِيمِ الْمُسْلِمِينَ الْكَعْبَةَ فِي اسْتِقْبَالِهَا . وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِ أَبِي الْعَالِيَةِ , وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ , وَالسُّدِّيِّ , وَأَبِي الشَّعْثَاءِ , وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالضَّحَّاكِ . فَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ كَمَا تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ . وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ , لِأَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ , وَعَابِدُ الْكَوَاكِبِ كَعَابِدِ الْوَثَنِ , فَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ إذَا كَانُوا مِنْ الْعَجَمِ . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّهُمْ مُوَحِّدُونَ مُعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَ النُّجُومِ , وَأَنَّهَا فَعَّالَةٌ , فَلَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ , وَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ , لِأَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ عِنْدَ مَالِكٍ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِمْ , فَإِنْ كَانُوا يُوَافِقُونَ أَحَدَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ فِي تَدَيُّنِهِمْ وَكِتَابِهِمْ فَهُمْ مِنْهُمْ , وَإِنْ خَالَفُوهُمْ فِي ذَلِكَ فَلَيْسُوا مِنْهُمْ , فَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ إذَا أَقَرَّ النَّصَارَى بِأَنَّهُمْ مِنْهُمْ وَلَمْ يُكَفِّرُوهُمْ , فَإِنَّ كَفَّرُوهُمْ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ . وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إلَى أَنَّهُمْ مِنْ النَّصَارَى ; لِأَنَّهُمْ يَدِينُونَ بِالْإِنْجِيلِ . وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ . فَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ كَالنَّصَارَى . وَذَهَبَ فِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ إلَى أَنَّهُمْ مِنْ الْيَهُودِ لِأَنَّهُمْ يُسْبِتُونَ , وَاسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: هُمْ يُسْبِتُونَ . فَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ كَمَا تُؤْخَذُ مِنْ الْيَهُودِ . وَالتَّفْصِيلُ فِي: ( صَابِئَةٌ ) .
أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ: