فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 743

31 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَبُولِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ , وَالْحَنَابِلَةِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُقْبَلُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا , أَيْ سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنْ الْعَرَبِ أَوْ مِنْ الْعَجَمِ , وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ , فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قُتِلُوا . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ } . { مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } . فَالْآيَةُ تَقْضِي بِجَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ خَاصَّةً , وَلَا دَلَالَةَ لِلَّفْظِ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ - بِسَنَدِهِ - إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ } . فَالْحَدِيثُ عَامٌّ يَقْتَضِي عَدَمَ قَبُولِ الْجِزْيَةِ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ , وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ إلَّا أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسَ فَمَنْ عَدَاهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ , فَلَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ عَبَدَةٍ الْأَوْثَانِ سَوَاءٌ أَكَانُوا عَرَبًا أَمْ عَجَمًا وَلِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مُقَدِّمَةٌ ( سَابِقَةٌ ) مِنْ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ , فَلَا حُرْمَةَ لِمُعْتَقَدِهِمْ . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ , وَأَخَذَ بِهَا هُوَ وَأَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ وَكَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا عَنْهُ الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ , ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَلُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَّا مُشْرِكِي الْعَرَبِ . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ . } فَهُوَ خَاصٌّ بِمُشْرِكِي الْعَرَبِ , لِأَنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَى قوله تعالى: { فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ . } وَهِيَ الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي كَانَ الْعَرَبُ يُحَرِّمُونَ الْقِتَالَ فِيهَا . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَأْخُذْ الْجِزْيَةَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ . رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ { أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَالَحَ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ عَلَى الْجِزْيَةِ إلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ الْعَرَبِ . } وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ:"أَجْمَعُوا عَلَى { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبَى أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ , وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامَ أَوْ السَّيْفَ } . وَاسْتَدَلُّوا مِنْ الْمَعْقُولِ: بِأَنَّ كُفْرَهُمْ قَدْ تَغَلَّظَ , لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ , وَالْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ , فَالْمُعْجِزَةُ فِي حَقِّهِمْ أَظْهَرُ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْرَفَ بِمَعَانِيهِ وَوُجُوهِ الْفَصَاحَةِ فِيهِ . وَكُلُّ مَنْ تَغَلَّظَ كُفْرُهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامُ , أَوْ السَّيْفُ لقوله تعالى: { قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } أَيْ تُقَاتِلُونَهُمْ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا . وَذَهَبَ مَالِكٌ فِي قَوْلٍ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , وَالْأَوْزَاعِيِّ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَلُ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ , وَمِنْهُمْ الْمُشْرِكُونَ وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ , سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنْ الْعَرَبِ , أَمْ مِنْ الْعَجَمِ , وَسَوَاءٌ أَكَانُوا قُرَشِيِّينَ أَمْ غَيْرَ قُرَشِيِّينَ . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ: { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ , أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ . . . وَقَالَ: اُغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ . وَإِذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ , فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ . فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ } وَذَكَرَ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الْجِزْيَةَ . فَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: { عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ } إمَّا أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ , وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ . وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ قَبُولُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت