فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 743

إن الفساد العقلي أكثر خطورة على الحضارة من الأمراض المعدية , التي قصر علماء الصحة والأطباء اهتمامهم عليها حتى الآن ! . .

هذا طرف مما تتكلفه البشرية الضالة , في جاهليتها الحديثة , من جراء طاعتها للذين يتبعون الشهوات ولا يريدون أن يفيئوا إلى منهج الله للحياة . المنهج الملحوظ فيه اليسر والتخفيف على الإنسان الضعيف , وصيانته من نزواته , وحمايته من شهواته , وهدايته إلى الطريق الآمن , والوصول به إلى التوبة والصلاح والطهارة:

والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيما . يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) . (1)

قال تعالى: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران:103)

يقول السيد رحمه الله: (2)

اتقوا الله - كما يحق له أن يتقى - وهي هكذا بدون تحديد تدع القلب مجتهدا في بلوغها كما يتصورها وكما يطيقها . وكلما أوغل القلب في هذا الطريق تكشفت له آفاق , وجدت له أشواق . وكلما اقترب بتقواه من الله , تيقظ شوقه إلى مقام أرفع مما بلغ , وإلى مرتبة وراء ما ارتقى . وتطلع إلى المقام الذي يستيقظ فيه قلبه فلا ينام !

(ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) . .

والموت غيب لا يدري إنسان متى يدركه . فمن أراد ألا يموت إلا مسلما فسبيله أن يكون منذ اللحظة مسلما , وأن يكون في كل لحظة مسلما . وذكر الإسلام بعد التقوى يشي بمعناه الواسع:الاستسلام . الاستسلام لله , طاعة له , واتباعا لمنهجه , واحتكاما إلى كتابه . وهو المعنى الذي تقرره السورة كلها في كل موضع منها , على نحو ما أسلفنا .

هذه هي الركيزة الأولى التي تقوم عليها الجماعة المسلمة لتحقق وجودها وتؤدي دورها . إذ أنه بدون هذه الركيزة يكون كل تجمع تجمعا جاهليا . ولا يكون هناك منهج لله تتجمع عليه أمة , إنما تكون هناك مناهج جاهلية . ولا تكون هناك قيادة راشدة في الأرض للبشرية , إنما تكون القيادة للجاهلية .

فأما الركيزة الثانية فهي ركيزة الأخوة . . الأخوة في الله , على منهج الله , لتحقيق منهج الله:

(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا , واذكروا نعمة الله عليكم , إذ كنتم أعداء , فألف بين قلوبكم , فأصبحتم بنعمته إخوانا . وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها . كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) . .

فهي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام . .

من الركيزة الأولى . . أساسها الاعتصام بحبل الله - أي عهده ونهجه ودينه - وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر , ولا على أي هدف آخر , ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة !

(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) . .

هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى . وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائما . وهو هنا يذكرهم هذه النعمة . يذكرهم كيف كانوا في الجاهلية"أعداء". .

وما كان أعدى من الأوس والخزرج في المدينة أحد . وهما الحيان العربيان في يثرب . يجاورهما اليهود الذين كانوا يوقدون حول هذه العداوة وينفخون في نارها حتى تأكل روابط الحيين جميعا . ومن ثم تجد يهود مجالها الصالح الذي لا تعمل إلا فيه , ولا تعيش إلا معه . فألف الله بين قلوب الحيين من العرب بالإسلام . . وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة . وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخوانا .

وما يمكن أن يجمع القلوب إلا أخوة في الله , تصغر إلى جانبها الأحقاد التاريخية , والثارات القبلية , والأطماع الشخصية والرايات العنصرية . ويتجمع الصف تحت لواء الله الكبير المتعال .

(واذكروا نعمة الله عليكم , إذ كنتم أعداء , فألف بين قلوبكم , فأصبحتم بنعمته إخوانا) . .

ويذكرهم كذلك نعمته عليهم في إنقاذهم من النار التي كانوا على وشك أن يقعوا فيها , إنقاذهم من النار بهدايتهم إلى الاعتصام بحبل الله - الركيزة الأولى - وبالتأليف بين قلوبهم , فأصبحوا بنعمة الله إخوانا - الركيزة الثانية:

(وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) .

والنص القرآني يعمد إلى مكمن المشاعر والروابط:"القلب". .

فلا يقول:فألف بينكم . إنما ينفذ إلى المكمن العميق: (فألف بين قلوبكم) فيصور القلوب حزمة مؤلفة متآلفة بيد الله وعلى عهده وميثاقه . كذلك يرسم النص صورة لما كانوا فيه . بل مشهدا حيا متحركا تتحرك معه القلوب: (وكنتم على شفا حفرة من النار) . .

وبينما حركة السقوط في حفرة النار متوقعة , إذا بالقلوب ترى يد الله , وهي تدرك وتنقذ !

وحبل الله وهو يمتد ويعصم . وصورة النجاة والخلاص بعد الخطر والترقب ! وهو مشهد متحرك حي تتبعه القلوب واجفة خافقة , وتكاد العيون تتملاه من وراء الأجيال !

(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 89) وفي ظلال القرآن - (ج 2 / ص 95)

(2) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 61) وفي ظلال القرآن - (ج 1 / ص 410)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت