فَقَالَ مَالِكٌ , وَابْنُ الْقَاسِمِ , وَأَشْهَبُ: يَجْتَهِدُ فِيهِ الْإِمَامُ . وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إذَا كَانَتْ تِلْكَ عَادَتَهُ قُتِلَ لِأَنَّهُ جَاسُوسٌ . وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: يُقْتَلُ الْجَاسُوسُ , وَهُوَ صَحِيحٌ لِإِضْرَارِهِ بِالْمُسْلِمِينَ وَسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ . فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ هَلْ يُقْتَلُ كَمَا قَالَ عُمَرُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ , وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلَّا بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ ; وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ وَحْدَهُ , وَيَبْقَى قَتْلُ غَيْرِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا , فَهَمَّ عُمَرُ بِهِ بِعِلْمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَرُدَّ عليه السلام إلَّا بِالْعِلَّةِ الَّتِي خَصَّصَهَا بِحَاطِبٍ . قُلْنَا: إنَّمَا قَالَ عُمَرُ: إنَّهُ يُقْتَلُ لِعِلَّةِ أَنَّهُ مُنَافِقٌ , فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لَيْسَ بِمُنَافِقٍ فَإِنَّمَا يُوجِبُ عُمَرُ قَتْلَ مَنْ نَافَقَ , وَنَحْنُ لَا نَتَحَقَّقُ نِفَاقَ فَاعِلِ مِثْلِ هَذَا , لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نَافَقَ , وَاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِذَلِكَ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ مَعَ بَقَاءِ إيمَانِهِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي الْقِصَّةِ { أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ: يَا حَاطِبُ ; أَنْتَ كَتَبْت الْكِتَابَ ؟ قَالَ: نَعَمْ , فَأَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ , وَبَيَّنَ الْعُذْرَ فَلَمْ يَكْذِبْ } , وَصَارَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ بِالطَّلَاقِ ابْتِدَاءً , وَقَالَ: أَرَدْت بِهِ كَذَا وَكَذَا لِلنِّيَّةِ الْبَعِيدَةِ الصِّدْقِ , وَلَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَادَّعَى فِيهِ النِّيَّةَ الْبَعِيدَةَ لَمْ يُقْبَلْ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ الْجَارُودِ سَيِّدَ رَبِيعَةَ أَخَذَ دِرْبَاسًا وَقَدْ بَلَغَهُ أَنَّهُ يُخَاطِبُ الْمُشْرِكِينَ بِعَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ , وَهَمَّ بِالْخُرُوجِ إلَيْهِمْ , فَصَلَبَهُ فَصَاحَ يَا عُمَرَاهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَرْسَلَ عُمَرُ إلَيْهِ , فَلَمَّا جَاءَ أَخَذَ الْحَرْبَةَ فَعَلَا بِهَا لِحْيَتَهُ , وَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا دِرْبَاسُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ: لَا تَعْجَلْ ; إنَّهُ كَاتَبَ الْعَدُوَّ , وَهَمَّ بِالْخُرُوجِ إلَيْهِمْ , فَقَالَ: قَتَلْته عَلَى الْهَمِّ , وَأَيُّنَا لَا يَهُمُّ . فَلَمْ يَرَهُ عُمَرُ مُوجِبًا لِلْقَتْلِ , وَلَكِنَّهُ أَنْفَذَ اجْتِهَادَ ابْنِ الْجَارُودِ فِيهِ , لِمَا رَأَى مِنْ خُرُوجِ حَاطِبٍ عَنْ هَذَا الطَّرِيقِ كُلِّهِ . وَلَعَلَّ ابْنَ الْجَارُودِ إنَّمَا أَخَذَ بِالتَّكْرَارِ فِي هَذَا ; لِأَنَّ حَاطِبًا أُخِذَ فِي أَوَّلِ فِعْلِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ فَإِنْ كَانَ الْجَاسُوسُ كَافِرًا فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَكُونُ نَقْضًا لِعَهْدِهِ . وَقَالَ أَصْبَغُ: الْجَاسُوسُ الْحَرْبِيُّ يُقْتَلُ , وَالْجَاسُوسُ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ يُعَاقَبَانِ إلَّا أَنْ يَتَعَاهَدَا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَيُقْتَلَانِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ { أَتَى بِعَيْنٍ لِلْمُشْرِكِينَ اسْمُهُ فُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ , فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُقْتَلَ , فَصَاحَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ; أُقْتَلُ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ , فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَخُلِّيَ سَبِيلُهُ . ثُمَّ قَالَ: إنَّ مِنْكُمْ مَنْ أَكِلُهُ إلَى إيمَانِهِ , وَمِنْهُمْ فُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ } .
وفي المغني: (1)
( 7685 ) فَصْلٌ وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ دُخُولُ دَارِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ
(1) -المغني - (ج 21 / ص 252)