اللَّهِ تَعَالَى , فَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ أَصْلًا كَالْحُدُودِ , وَلِذَا لَا تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ الْعَاجِزِ وَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الْأَدَاءِ . وَهِيَ لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ سُكْنَى الدَّارِ ; لِأَنَّ الذِّمِّيَّ يَسْكُنُ مِلْكَ نَفْسِهِ .
20 -يَتَرَتَّبُ عَلَى عَقْدِ الذِّمَّةِ لُزُومُ الْجِزْيَةِ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ . فَعَقْدُ الذِّمَّةِ هُوَ: الْتِزَامُ تَقْرِيرِ الْكُفَّارِ فِي دَارِنَا وَحِمَايَتِنَا لَهُمْ , وَالذَّبِّ عَنْهُمْ بِشَرْطِ بَذْلِ الْجِزْيَةِ .
إجَابَةُ الْكَافِرِ إلَى عَقْدِ الذِّمَّةِ بِالْجِزْيَةِ:
21 -قَالَ النَّوَوِيُّ: إذَا طَلَبَتْ طَائِفَةٌ عَقْدَ الذِّمَّةِ وَكَانَتْ مِمَّنْ يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ بِالْجِزْيَةِ وَجَبَتْ إجَابَتُهُمْ مَا لَمْ تُخَفْ غَائِلَتُهُمْ , أَيْ غَدْرُهُمْ بِتَمْكِينِهِمْ مِنْ الْإِقَامَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , فَلَا يَجُوزُ عَقْدُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْنَا , وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ } . { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } فَجَعَلَ إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ غَايَةً لِقِتَالِهِمْ فَمَتَى بَذَلُوهَا لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ . وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: { فَادْعُهُمْ إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ } . وَفِي كِتَابِ ( الْبَيَانِ ) وَغَيْرِهِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا إذَا رَأَى الْإِمَامُ فِيهَا مَصْلَحَةً كَمَا فِي الْهُدْنَةِ .
رُكْنَا عَقْدِ الذِّمَّةِ:
22 -وَرُكْنَا عَقْدِ الذِّمَّةِ: إيجَابٌ وَقَبُولٌ: إيجَابٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ , وَصِيغَتُهُ إمَّا لَفْظٌ صَرِيحٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِثْلُ لَفْظِ الْعَهْدِ وَالْعَقْدِ عَلَى أُسُسٍ مُعَيَّنَةٍ , وَإِمَّا فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى قَبُولِ الْجِزْيَةِ , كَأَنْ يَدْخُلَ حَرْبِيٌّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ وَيَمْكُثَ فِيهَا سَنَةً , فَيُطْلَبُ مِنْهُ إمَّا أَنْ يَخْرُجَ أَوْ يُصْبِحَ ذِمِّيًّا . وَأَمَّا الْقَبُولُ فَيَكُونُ مِنْ إمَامِ الْمُسْلِمِينَ , أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ , وَلِذَا لَوْ قَبِلَ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ , وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ عَقْدِ الْأَمَانِ لَا عَقْدِ الذِّمَّةِ , فَيُمْنَعُ ذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ . 23 - وَيُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ التَّأْبِيدُ: فَإِنَّ وُقِّتَ الصُّلْحُ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِعِصْمَةِ الْإِنْسَانِ فِي مَالِهِ وَنَفْسِهِ بَدِيلٌ عَنْ الْإِسْلَامِ , وَالْإِسْلَامُ مُؤَبَّدٌ , فَكَذَا بَدِيلُهُ , وَهُوَ عَقْدُ الذِّمَّةِ . وَهَذَا شَرْطٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَعَقْدُ الذِّمَّةِ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ لَا يَمْلِكُ الْمُسْلِمُونَ نَقْضَهُ مَا دَامَ الطَّرَفُ الْآخَرُ مُلْتَزِمًا بِهِ , وَيَنْتَقِضُ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِأُمُورٍ اُخْتُلِفَ فِيهَا , وَلَا يَنْتَقِضُ الْعَهْدُ بِغَيْرِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْتِزَامَ الْجِزْيَةِ بَاقٍ , وَيَسْتَطِيعُ الْحَاكِمُ أَنْ يَجْبُرَهُ عَلَى أَدَائِهَا , وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْمُخَالَفَاتِ فَهِيَ مَعَاصٍ ارْتَكَبُوهَا , وَهِيَ دُونَ الْكُفْرِ , وَقَدْ أَقْرَرْنَاهُمْ عَلَيْهِ , فَمَا دُونَهُ أَوْلَى . فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْعَقْدَ يَنْتَقِضُ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ , أَوْ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ , أَوْ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ جَرَيَانِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ , أَوْ سَبِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ قَتْلِ مُسْلِمٍ أَوْ الزِّنَا بِمُسْلِمَةٍ , أَوْ بِإِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِالْمُسْلِمِينَ , وَإِطْلَاعِ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ , وَذَلِكَ لِأَنَّ ارْتِكَابَ هَذِهِ الْأُمُورِ يُخَالِفُ مُقْتَضَى عَقْدِ الذِّمَّةِ . وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْعَقْدَ يَنْتَقِضُ بِقِتَالِهِمْ لَنَا أَوْ امْتِنَاعِهِمْ مِنْ إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ , أَوْ مِنْ جَرَيَانِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ . أَمَّا لَوْ زَنَى الذِّمِّيُّ بِمُسْلِمَةٍ أَوْ دَلَّ أَهْلَ الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ , أَوْ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ , أَوْ طَعَنَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ الْقُرْآنِ , أَوْ ذَكَرَ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم بِسُوءٍ فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إنْ شُرِطَ انْتِقَاضُ الْعَهْدِ بِهَا انْتَقَضَ وَإِلَّا فَلَا يَنْتَقِضُ . وَيَنْتَقِضُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَحَدِ أُمُورِ ثَلَاثَةٍ: وَهِيَ أَنْ يُسْلِمَ الذِّمِّيُّ , أَوْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ , أَوْ يَغْلِبَ الذِّمِّيُّونَ عَلَى مَوْضِعٍ فَيُحَارِبُونَنَا .
مَحَلُّ الْجِزْيَةِ: