فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 743

19 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِيقَةِ الْجِزْيَةِ , هَلْ هِيَ عُقُوبَةٌ عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ , أَمْ أَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ مُعَوَّضٍ , أَمْ أَنَّهَا صِلَةٌ مَالِيَّةٌ وَلَيْسَتْ عِوَضًا عَنْ شَيْءٍ ؟ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّهَا وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ , وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ مِنْ الذِّمِّيِّ إذَا بَعَثَ بِهَا مَعَ شَخْصٍ آخَرَ , بَلْ يُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بِنَفْسِهِ , فَيُعْطِي قَائِمًا وَالْقَابِضُ مِنْهُ قَاعِدٌ . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: { عَنْ يَدٍ } - يَدْفَعُهَا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُسْتَنِيبٍ فِيهَا أَحَدًا . فَلَا بُدَّ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَهُوَ بِحَالَةِ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ . وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْجَزَاءِ , وَهُوَ إمَّا أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الثَّوَابِ بِسَبَبِ الطَّاعَةِ , وَإِمَّا أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الْعُقُوبَةِ بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ . وَلَا شَكَّ فِي انْتِفَاءِ الْأَوَّلِ , لِأَنَّ الْكُفْرَ مَعْصِيَةٌ وَشَرٌّ , وَلَيْسَ طَاعَةً فَيَتَعَيَّنُ الثَّانِي لِلْجَزَاءِ: وَهُوَ الْعُقُوبَةُ بِسَبَبِ الْكُفْرِ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَاسْتَدَلَّ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّهَا عُقُوبَةٌ بِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِسَبَبِ الْكُفْرِ وَهُوَ جِنَايَةٌ , فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُسَبِّبُهَا عُقُوبَةً , وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ وَهُمْ الْبَالِغُونَ الْعُقَلَاءُ الْمُقَاتِلُونَ . وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ ابْتِدَاءً هُوَ الْقَتْلُ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ , فَلَمَّا دُفِعَ عَنْهُمْ الْقَتْلُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ الَّذِي يَتَضَمَّنُ الْجِزْيَةَ , صَارَتْ الْجِزْيَةُ عُقُوبَةً بَدَلَ عُقُوبَةِ الْقَتْلِ . وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ عِوَضًا عَنْ مُعَوَّضٍ , ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمُعَوَّضِ الَّذِي تَجِبُ الْجِزْيَةُ بَدَلًا عَنْهُ . فَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ: الْجِزْيَةُ تَجِبُ عِوَضًا عَنْ النُّصْرَةِ: وَيَقْصِدُونَ بِذَلِكَ نُصْرَةَ الْمُقَاتِلَةِ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِحِمَايَةِ دَارِ الْإِسْلَامِ وَالدِّفَاعِ عَنْهَا . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ النُّصْرَةَ تَجِبُ عَلَى جَمِيعِ رَعَايَا الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَمِنْهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ . فَالْمُسْلِمُونَ يَقُومُونَ بِنُصْرَةِ الْمُقَاتِلَةِ: إمَّا بِأَنْفُسِهِمْ , وَإِمَّا بِأَمْوَالِهِمْ , فَيَخْرُجُونَ مَعَهُمْ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَيُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , قَالَ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } . وَلَمَّا فَاتَتْ النُّصْرَةُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِأَنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ إصْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ , تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِمْ النُّصْرَةُ بِالْمَالِ: وَهِيَ الْجِزْيَةُ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: الْجِزْيَةُ تَجِبُ بَدَلًا عَنْ الْعِصْمَةِ أَوْ حَقْنِ الدَّمِ , كَمَا تَجِبُ عِوَضًا عَنْ سُكْنَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَالْإِقَامَةِ فِيهَا . فَإِذَا كَانَتْ عِوَضًا عَنْ الْعِصْمَةِ وَحَقْنِ الدَّمِ تَكُونُ فِي مَعْنَى بَدَلِ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ . وَإِذَا كَانَتْ عِوَضًا مَا عَنْ السُّكْنَى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَالْإِقَامَةِ فِيهَا , تَكُونُ فِي مَعْنَى بَدَلِ الْإِجَارَةِ . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى كَوْنِهَا بَدَلًا عَنْ الْعِصْمَةِ أَوْ حَقْنِ الدَّمِ بِآيَةِ الْجِزْيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ , فَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى دِمَاءَ الْكُفَّارِ ثُمَّ حَقَنَهَا بِالْجِزْيَةِ , فَكَانَتْ الْجِزْيَةُ عِوَضًا عَنْ حَقْنِ الدَّمِ . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى كَوْنِهَا عِوَضًا عَنْ سُكْنَى الدَّارِ بِأَنَّ الْكُفَّارَ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ وَعَدَمِ الْخُضُوعِ لِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ لَا يُقَرُّونَ فِي دَارِنَا , وَلَا يَصِيرُونَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الدَّارِ إلَّا بِعَقْدِ الذِّمَّةِ وَأَدَاءِ الْجِزْيَةِ . فَتَكُونُ الْجِزْيَةُ بِذَلِكَ بَدَلًا عَنْ سُكْنَى دَارِ الْإِسْلَامِ . وَقَدْ رَدَّ ابْنُ الْقَيِّمِ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ . وَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ صِلَةٌ مَالِيَّةٌ تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ , وَلَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ , فَهِيَ لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ حَقْنِ الدَّمِ ; لِأَنَّ قَتْلَ الْكَافِرِ جَزَاءٌ مُسْتَحَقٌّ لِحَقِّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت