7 ــ ومن الأخطاء الفاحشة ماذكره الأستاذ المشار إليه أعلاه (د. محمد حميد الله) في مقدمة (أحكام أهل الذمة) صـ 90، حيث قال إن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين، وقتل يهوديًا عملًا بأحكام التوراة، ثم قال مانصه (فلقاضي المسلمين إذًا أن يطبق على أهل الذمة إذا جاءوه قانونهم لاقانون الإسلام) أهـ. أما قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بينهم بالتوراة، فقد قال ابن حزم إن من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بين اليهود بحكم التوراة المنسوخة فهو مرتد، انظر (الإحكام في أصول الأحكام) لابن حزم، 2/104. وأقول: سبب الردة هنا هو مخالفة هذا القول للنصوص الدالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم إلا بشريعة الإسلام، وأن القرآن ناسخ لما قبله من الشرائع، قال تعالى (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله) المائدة 48. ولا أقول إن هذا الكاتب مرتد ولكنه أخطأ خطأ فاحشا، ودخلت عليه الشبهة من أن إحدى روايات حديث رجم اليهوديين ورد فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (فإني أحكم بما في التوراة، فأمر بهما فَرُجِما) الحديث رواه أحمد وأبو داود. وليس معناه أنه حكم بالتوراة نفسها بل حكم بمثل ماورد بها في حكم هذه المسألة، وإلا فقد قال صلى الله عليه وسلم (لو كان موسى حيًا ماوسعه إلا اتباعي) الحديث رواه أحمد والدارمي، فكيف يتبع النبي صلى الله عليه وسلم كتاب موسى؟ ومصداق هذا الحديث الأخير من كتاب الله قوله تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسولٌُ مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنّه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري، قالوا أقررنا، قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) ال عمران 81. ولهذا فبعدما ذكر ابن كثير رواية (فإني أحكم بما في التوراة) قال رحمه الله (فهذه الأحاديث دالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله عزوجل إليه بذلك وسؤاله إياهم عن ذلك ليقرّرهم على ما بأيديهم مما تواطؤا على كتمانه) (تفسير ابن كثير) 2/59، وقد قال ابن حجر إن رواية (فإني أحكم بما في التوراة) في سندها رجل مبهم، أي لايحتج بها، وأنها إذا ثبتت فتأويلها عنده هو كما نقلناه عن ابن كثير، هذا معنى كلام ابن حجر (فتح الباري) 12/ 170 ــ 171. وقال ابن تيمية رحمه الله (وهو صلى الله عليه وسلم لم يحكم إلا بما أنزل الله عليه، كما قال «وأن احكم بينهم بما أنزل الله» ) (مجموع الفتاوى) 4/ 111. وأما قول الأستاذ محمد حميد الله (فلقاضي المسلمين إذًا أن يطبق على أهل الذمة إذا جاءوه قانونهم لا قانون الإسلام) فقول مخالف للكتاب والسنة والإجماع بناه على قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بينهم بحكم التوراة وهو قول باطل كما سبق بيانه، وقد قال تعالى (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولاتتبع أهواءهم) المائدة 49، وقانونهم المبدل المحرّف هو من أهوائهم. وقد ذكرت في أول هذا الموضوع الإجماع على أن عقد الذمة لاينعقد إلا بشرطين: أداء الجزية والتزامهم جريان أحكام الإسلام عليهم.
فهذه بعض الأخطاء الواردة في كتابات المعاصرين في هذا الموضوع، أردت التنبيه عليها ليكون الطالب على بينة منها، ومن اليسير على الطالب أن يدرك هذه الأخطاء وغيرها إذا بدأ دراسته لهذا الموضوع بالمراجع الأساسية التي ذكرتها أولا، أما إذا بدأ بقراءة كتابات المعاصرين فهنا الخطر، إذ قد لا يتبين هذه الأخطاء بل قد يظنها الحق، والأسوأ من ذلك ماقد يعلق بقلب الطالب من التشكيك في الأحكام الثابتة بالأدلة الشرعية بدعاوى هِى أَوْهَى من خيوط العنكبوت.
ومن كتابات المعاصرين التي اشتملت على هذه الأخطاء.
1 ــ كتاب (غير المسلمين في المجتمع الإسلامي) ليوسف القرضاوي.
2 ــ كتاب (حقوق أهل الذمة في الدولة الإسلامية) لأبي الأعلى المودودي.
3 ــ كتاب (حكم إحداث الكنائس والبيع والصلوات في بلاد المسلمين) لعبدالله زيد آل محمود، القاضي بالمحاكم الشرعية بقطر.
4 ــ كتاب (أحكام الذميين والمستأمنين) لعبدالكريم زيدان، وهذا الكتاب قد اشتمل على أخطاء جسيمة قالها المؤلف برأيه بغير مستند من الشريعة، واعتبر المؤلف أن الدول الكافرة الحاكمة بغير الشريعة دول إسلامية وأن النصوص المتعلقة بالأديان في دساتيرها تتفق مع آرائه التي اعتبرها اجتهادات شرعية، مع أن هذه الدساتير علمانية محضة. وادعى المؤلف أنه لم يُكتب كتاب مبسوط في هذا الموضوع قبل كتابه هذا، وهذا يدل على أنه لم يطلع على كتاب (أحكام أهل الذمة) لابن القيم قبل أن يكتب كتابه الذي ليته ماكتبه، وهكذا ذكر د. صبحي الصالح محقق كتاب (أحكام أهل الذمة) في مقدمته أن الاستاذ عبدالكريم زيدان لم يطلع على كتاب ابن القيم، وهذا عيب كبير أن يكتب كاتب في موضوع قبل مطالعة مراجعه الأساسية، ولعله لو فعل لما وقع فيما وقع فيه من مخالفات جسيمة. وكتاب (أحكام أهل الذمة) لابن القيم فيه الحق والصواب وفيه غنية عن الكتب المعاصرة التي اختلط فيها الحق بالباطل.
وهذا آخر ما أذكره في موضوع أحكام أهل الذمة، وبالله تعالى التوفيق.
تحطيم الأوثان
فهد بن محمد القرشي
مكة المكرمة
العمودي
محامد و أدعية طباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
ملخص الخطبة