فهرس الكتاب

الصفحة 611 من 743

3 ــ القول بجواز تولي الذميين للوظائف العامة في دار الإسلام، وهو قول فاسد ليس لصاحبه مستند إلا ماذكره الماوردي في أحكامه السلطانية برأيه، وقد ذكرت من قبل كيف شنع عليه الجويني في (الغياثي) بسبب هذا، وقد استوفى ابن القيم الرد على هذا القول في كتابه (أحكام أهل الذمة) جـ 1 صـ 208 ــ 244، ط دار العلم للملايين 1983 م.

4 ــ القول بجواز إسقاط الجزية عن أهل الذمة للمصلحة أو إذا طبق عليهم نظام التجنيد الإجباري، وهذا خطأ، فالجزية لاتسقط إلا لعجز من جهة المسلمين عن فرضها على أهل الذمة، أو لعجز من جانب بعض الذميين عن أدائها. وتفصيل ذلك في المراجع الأساسية التي ذكرتها من قبل.

5 ــ القول باطلاق الحرية للذميين للدعوة لدينهم وبناء الكنائس في دار الإسلام حتى لا تُضَيِّق الدول النصرانية على المسلمين المقيمين بها، وهذا قول خطأ مبني على خطأ، لأنه إذا وجدت دار إسلام في الدنيا فإنه يجب على المسلمين الهجرة إليها لنصرة أهلها وحتى لايفتنوا في دينهم بالإقامة بين الكفار في بلادهم، كيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنا برئ من كل مسلم يقيم بين المشركين) الحديث؟. وكيف وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حمل المصحف عند السفر لبلاد الكفار؟. فذهاب المسلم إلى بلاد الكفار وإقامته بها لاتجوز إلا للضرورة ليست هى الأصل، وليست من المباحات كما تساهل فيها الناس في هذه الأزمان. فليست هذه من الأعذار التي تسقط من أجلها الأحكام الثابتة الخاصة ببناء الكنائس في دار الإسلام.

6 ــ القول بعدم وجوب إلزام الذميين بالغيار (أي بمخالفة المسلمين في الشعور واللباس والمركب) ، وذلك في دار الإسلام، وأن هذا وإن ورد في الشروط العمرية فهو اجتهاد غير ملزم من عمر رضي الله عنه، وأنه يمكن إلغاء هذا الشرط لاختلاف الزمان. وهذا خطأ، فقد ذكرت من قبل أن الشروط العمرية ملزمة لعموم المسلمين عند القدرة، ولايجوز اعتبار حالة العجز هى الأصل، وقد قال ابن القيم رحمه الله (فلما فتح الله على المسلمين أمصار الكفار، ومَلّكهم ديارهم وأموالهم وصاروا تحت القهر والذل، وجرت عليهم أحكام الإسلام ألزمهم الخليفة الراشد والإمام العدل الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه وأمَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنته ــ عمر بن الخطاب ــ بالغيار، ووافقه عليه جميع الصحابة، واتبعه الأئمة والخلفاء بعده. وإنما قصّر في هذا من الملوك من قلّت رغبته في نصر الإسلام وإعزاز أهله وإذلال الكفر وأهله، وقد اتفق علماء المسلمين على وجوب إلزامهم بالغيار، وأنهم يمنعون من التشبه بالمسلمين في زِيّهم) (أحكام أهل الذمة) 2/756.

هذا وقد بلغت الجرأة بأحد المعاصرين أن قال (لم تبق إلا مسألة اللباس الذي يميز الذمي من المسلم، وأبادر إلى التأكيد بأن القرآن لم يمسّ هذا، وأن الحديث النبوي لم يعرض له، فليس له إذًا أساس ديني، بل أساسه عندي اجتماعي أو سياسي أو زماني مؤقت، فقد وقع في بعض العصور المتأخرة ثم كاد يصبح بعدها تقليدًا) أهـ. وقائل هذا اسمه الدكتور محمد حميد الله، شارك د. صبحي الصالح في وضع مقدمة كتاب (أحكام أهل الذمة) لابن القيم. وسمّاه صبحي الصالح بالعلامة الاستاذ الدكتور محمد حميد الله، وكلامه السابق بمقدمة الكتاب في صـ 94. ويبدوا أنه لم يقرأ شيئا من الكتاب الذي قدم له، فالغيار معمول به من عصر الصحابة لا في العصور المتأخرة كما قال، والغيار أساسه ديني، سَنَّه خليفة راشد يجب اتباع سنته وأجمع عليه الصحابة وإجماعهم حجة، والعمل بالإجماع ليس تقليدًا بل اتباع كما هو مقرر في أصول الفقه (انظر «ارشاد الفحول» للشوكاني، صـ 246) . وأضيف هنا أن العمل بالغيار ليس اجتهادًا قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه برأيه، بل قد دلّت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمر بمخالفة أهل الكتاب والمشركين في شتى الأمور خاصة في الهدي الظاهر، وقد ذكر ابن تيمية جملة من الأحاديث الدالة على ذلك في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) ، وذكر أحمد بن الصديق الغماري جملة من هذه الأحاديث في كتابه (الاستنفار لغزو التشبه بالكفار) ، وقد ذكر ابن تيمية وجوه الحكمة في الأمر بمخالفتهم وكيف أن التشبه بهم في الظاهر يفضي إلى مشابهتهم في الباطن، كما ذكر ابن القيم الحكمة في إلزامهم بالغيار في عقد الذمة وأنها حتى لايُعامل الكافر معاملة المسلم في دار الإسلام، وذلك في الباب الخاص بسد الذرائع من كتابه (اعلام الموقعين) . وهذا كله في بيان أن إلزام الذميين بالغيار ليس رأيا قابلا للأخذ والردّ، وإنما هو من الأحكام الثابتة في الشريعة وقد دلت عليه عشرات الأحاديث من السنة المشرفة، وتطبيقه منوط بالقدرة كما سبق التنبيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت