فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 743

وله أن يزيد على الحد المقدر فيه إذا رأى المصلحة في ذلك ويحملون ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من القتل في مثل هذه الجرائم على أنه رأى المصلحة في ذلك ويسمونه القتل سياسة وكان حاصله أن للإمام أن يعزر بالقتل في الجرائم التي تغلطت بالتكرار وشرع القتل في جنسها ولهذا أفتى أكثر أصحابهم بقتل من أكثر من سب النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة وإن أسلم بعد أخذه . وقالوا يقتل سياسة وهذا متوجه على أصولهم . قال القاضي في التعليق والدلالة على أن نقض العهد يحصل بهذه الأشياء وإن لم يشترطه في عقد الذمة أن الإمام يقتضي الكف عن الإضرار وفي هذه الأشياء إضرار فيجب أن ينتقض العهد بفعلها كما لو شرط ذلك في عقد الأمان . قال ولأن عقد الذمة عقد أمان فانتقض بالمخالفة من غير شرط كالهدنة .

الأدلة من كتاب الله على وجوب قتل الساب وانتقاض عهده

الدليل الثاني قلت واحتج غيره من الأصحاب بوجوه أخر سوى ما ذكره منها قوله تعالى ( ^ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) فلا يجوز الإمساك عن قتالهم إلا إذا كانوا صاغرين حال إعطاء الجزية . والمراد بإعطاء الجزية من حين بذلها أو التزامها إلى حين تسليمها وإقباضها فإنهم إذا بذلوا الجزية شرعوا في الإعطاء ووجب الكف عنهم إلى أن نقبضها منهم فمتى لم يلتزموها أو التزموها وامتنعوا من تسليمها لم يكونوا معطين لها فليس المراد أن يكونوا صاغرين حال تناول الجزية منهم فقط ويفارقهم الصغار فيما عدا هذا الوقت هذا باطل قطعا .

وإذا علم هذا فمن جاهرنا بسب الله ورسوله وإكراه حريمنا على الزنى وتحريق جوامعنا ودورنا ورفع الصليب فوق رؤوسنا فليس معه من الصغار شيء فيجب قتاله بنص الآية حتى يصير صاغرا . فإن قيل فالمأمور به القتال إلى هذه الغاية فمن أين لكم القتل المقدور عليه? فالجواب من وجوه أحدها أن كل من أمرنا بقتاله من الكفار فإنه يقتل إذا قدرنا عليه . الثاني أنا إذا كنا مأمورين أن نقاتلهم إلى هذه الغاية لم يجز أن نعقد لهم عهد الذمة بدونها ولو عقد لهم كان عقدا فاسدا . الثالث أن الأصل إباحة دمائهم يمسك عصمتها الحبلان حبل من الله بالأمر بالكف عنهم وحبل من الناس بالعهد والعقد ولم يوجد واحد من الحبلين . أما حبل الله سبحانه فإنه إنما اقتضى الأمر بالكف عنهم إذا كانوا صاغرين فمتى لم يوجد وصف الصغار المقتضي للكف منهم وعنهم فالقتل المقدور عليه منهم والقتال للطائفة الممتنعة واجب . وأما حبل الناس فلم يعاهدهم الإمام والمسلمون إلا على الكف عما فيه إدخال ضرر على المسلمين وغضاضة في الإسلام فإذا لم يوجد فلا عهد لهم من الإمام ولا من الله وهذا ظاهر لا خفاء به .

الدليل الثالث قوله تعالى ( ^ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ) إلى قوله ( ^ . . وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ) فنفى الله أن يكون لمشرك عهد ممن كان النبي صلى الله عليه وسلم عاهدهم إلا قوما ذكرهم فجعل لهم عهدا ما داموا مستقيمين لنا فعلم أن العهد لا يبقى للمشرك إلا ما دام مستقيما ومعلوم أن مجاهرتنا بتلك الأمور العظام تقدح في الاستقامة كما تقدح مجاهرتنا بالاستقامة فيها بل مجاهرتنا بسب ربنا ونبينا وكتابه وإحراق مساجدنا ودورنا أشد علينا من مجاهرتنا بالمحاربة إن كنا مؤمنين فإنه يجب علينا أن نبذل دماءنا وأموالنا حتى تكون كلمة الله هي العليا ولا يجهر بين أظهرنا بشيء من أذى الله ورسوله فإذا لم يكونوا مستقيمين لنا مع القدح في أهون الأمرين فكيف يستقيمون لنا مع القدح في أعظمهما? يوضح ذلك قوله ( ^ كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ) أي كيف يكون لهم عهد ولو ظهروا عليكم لم يرقبوا الرحم التي بينكم وبينهم ولا العهد فعلم أن من كانت حالته أنه إذا ظهر لم يرقب ما بيننا وبينه من العهد لم يكن له عهد ومن جاهرنا بالطعن في ديننا وسب ربنا ونبينا كان ذلك من أعظم الأدلة على أنه لو ظهر علينا لم يرقب العهد الذي بيننا وبينه فإنه إذا كان هذا فعله مع وجود العهد والذلة فكيف يكون مع القدرة والدولة? وهذا بخلاف من لم يظهر لنا شيئا من ذلك فإنه يجوز أن يفي لنا بالعهد ولو ظهر . فإن قيل فالآية إنما هي في أهل الهدنة المقيمين في دارهم قيل الجواب من وجهين أحدهما أن لفظها أعم . والثاني أنها إذا كان معناها في أهل الذمة المقيمين بدارهم فثبوته في أهل الذمة المقيمين بدارنا أولى وأحرى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت