وأما الكنائس فجمع كنيسة وهي لأهل الكتابين ولليهود خاصة الفهر بضم الفاء والهاء واحدها فهر وهو بيت المدراس الذي يتدارسون فيه العلم . وفي الحديث أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على اليهود بيت مدراسهم . وفيه أيضا قول أنس كأنهم اليهود حين خرجوا من فهرهم . وحكم هذه الأمكنة كلها حكم الكنيسة وينبغي التنبيه عليها .
ذكر حكم الأمصار التي وجدت فيها هذه الأماكن وما يجوز إبقاؤه وما تجب إزالته ومحو رسمه
البلادالتي تفرق فيها أهل الذمة والعهد ثلاثة أقسام أحدها بلاد أنشأها المسلمون في الإسلام . الثاني بلاد أنشئت قبل الإسلام فافتتحها المسلمون عنوة وملكوا أرضها وساكنيها . الثالث بلاد أنشئت قبل الإسلام وفتحها المسلمون صلحا . فأما القسم الأول بلاد أنشأها المسلمون في الإسلام فهو مثل البصرة والكوفة وواسط وبغداد والقاهرة . أما البصرة والكوفة فأنشئتا في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه . قال يزيد بن هارون أخبرنا زياد بن أبي زياد حدثنا عبدالرحمن بن أبي بكرة عن نافع بن الحارث قال كان أمير المؤمنين قد هم أن يتخذ للمسلمين مصرا وكان المسلمون قد غزوا من قبل البحر وفتحوا الأهواز وكابل وطبرستان فلما افتتحوها كتبوا إليه إنا وجدنا بطبرستان مكانا لا بأس به فكتب إليهم إن بيني وبينكم دجلة ولا حاجة لي في شيء بيني وبينكم فيه دجلة أن نتخذه مصرا قال فقدم عليه رجل من بني سدوس يقال له ثابت فقال له يا أمير المؤمنين إني مررت بمكان دون دجلة به بادية يقال لها الخريبة ويقال للأرض البصرة وبينها وبين دجلة فرسخ يه خليج يجري فيه الماء وأجمة قصب فأعجب ذلك عمر رضي الله عنه فدعا عتبة بن غزوان فبعثه في أربعين رجلا فيهم نافع بن الحارث وزياد أخوه لأمه . قال سيف بن عمر مصرت البصرة سنة ست عشرة واختطت قبل الكوفة بثمانية أشهر .
وقال قتادة أول من مصر البصرة رجل من بني شيبان يسمى المثنى ابن حارثة وإنه كتب إلى عمر رضي الله عنه إني نزلت أرضا بصرة فكتب إليه إذا أتاك كتابي هذا فاثبت حتى يأتيك أمري فبعث عتبة بن غزوان معلما وأميرا فغزا الأبلة . وقال حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مصر البصرة والكوفة .
وأما واسط فبناها الحجاج بن يوسف سنة ست وثمانين من الهجرة في السنة التي مات فيها عبدالملك بن مروان .
وأما بغداد فقال سليمان بن المجالد وزير أبي جعفر خرجت مع أبي جعفر يوما قبل أن نبتني مدينة بغداد ونحن نرتاد موضعا نبني فيه مدينة يكون فيها عسكره قال فبصرنا بقس شيخ كبير ومعه جماعة من النصارى فقال اذهب إلى هذا القس نسأله فمضى إليه فوقف عليه أبو جعفر فسلم عليه ثم قال يا شيخ أبلغك أنه يبني ههنا مدينة? قال نعم ولست بصاحبها قال وما علمك? قال القس وما اسمك? قال اسمي عبدالله قال فلست بصاحبها قال فما اسم صاحبها? قال مقلاص قال فتبسم أبو جعفر وصغى إلي فقال أنا والله مقلاص كان أبي يسميني وأنا صغير مقلاصا فاختط موضع مدينة أبي جعفر وتحول أبو جعفر من الهاشمية إلى بغداد وأمر ببنائها ثم رجع إلى الكوفة في سنة أربع وأربعين ومئة وفرغ من بنائها ونزلها مع جنده وسماها مدينة السلام سنة خمس وأربعين ومئة وفرغ من بناء الرصافة سنة أربع وخمسين ومئة .
وقال سليمان بن مجالد الذي تولى الوقوف على خط بغداد الحجاج بن أرطاة وجماعة من أهل الكوفة . وكذلك سامرا بناها المتوكل وكذلك المهدية التي بالمغرب وغيرها من الأمصار التي مصرها المسلمون . فهذه البلاد صافية للإمام إن أراد الإمام أن يقر أهل الذمة فيها ببذل الجزية جاز فلو أقرهم الإمام على أن يحدثوا فيها بيعة أو كنيسة أو يظهروا فيها خمرا أو خنزيرا أو ناقوسا لم يجز وإن شرط ذلك وعقد عليه الذمة كان العقد والشرط فاسدا وهو اتفاق من الأمة لا يعلم بينهم فيه نزاع .
قال الإمام أحمد حدثنا حماد بن خالد الخياط أخبرنا الليث بن سعد عن توبة بن النمر الحضرمي قاضي مصر عمن أخبره قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة . وقال أبو عبيد حدثنا عبدالله بن صالح عن الليث بن سعد فذكره بإسناده ومتنه . وقد روي موقوفا على عمر بغير هذا الإسناد . قال علي بن عبدالعزيز حدثنا أبو عبيد القاسم حدثني أبو الأسود عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير مرثد بن عبدالله اليزني قال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا كنيسة في الإسلام ولا خصاء .
وقال الإمام أحمد حدثنا معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه عن حنش عن عكرمة قال سئل ابن عباس عن أمصار العرب أو دار العرب هل للعجم أن يحدثوا فيها شيئا? فقال أيما مصر مصرته العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعة ولا يضربوا فيه ناقوسا ولا يشربوا فيه خمرا ولا يتخذوا فيه خنزيرا وأيما مصر مصرته العجم ففتحه الله عز وجل على العرب فنزلوا فيه فإن للعجم ما في عهدهم وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم .