فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 743

67 -عَلَى الْإِمَامِ مُشَارَفَةُ الْأُمُورِ وَتَصَفُّحُ الْأَحْوَالِ , وَمِنْ مُقْتَضَيَاتِ هَذَا الْوَاجِبِ: الرِّقَابَةُ الْفَعَّالَةُ عَلَى عُمَّالِ الْجِزْيَةِ , وَضَرُورَةُ مَنْحِهِمْ رَوَاتِبَ تَكْفِيهِمْ . قَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي نَصِيحَتِهِ الَّتِي كَتَبَهَا لِهَارُونَ الرَّشِيدِ:"أَرَى أَنْ تَبْعَثَ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْعَفَافِ مِمَّنْ يُوثَقُ بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ , يَسْأَلُونَ عَنْ سِيرَةِ الْعُمَّالِ , وَمَا عَمِلُوا بِهِ فِي الْبِلَادِ , وَكَيْفَ جَبَوْا الْخَرَاجَ ؟ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ وَعَلَى مَا وَظَّفَ عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ وَاسْتَقَرَّ , فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَك وَصَحَّ , أَخَذُوا بِمَا اسْتَفْضَلُوا مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْأَخْذِ , حَتَّى يُؤَدُّوهُ بَعْدَ الْعُقُوبَةِ الْمُوجِعَةِ وَالنَّكَالِ , حَتَّى لَا يَتَعَدَّوْا مَا أُمِرُوا بِهِ وَمَا عُهِدَ إلَيْهِمْ فِيهِ , فَإِنَّ كُلَّ مَا عَمِلَ بِهِ وَالِي الْخَرَاجِ مِنْ الظُّلْمِ وَالْعَسْفِ فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِهِ , وَقَدْ أُمِرَ بِغَيْرِهِ , وَإِنْ أَحْلَلْت بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ الْعُقُوبَةَ الْمُوجِعَةَ انْتَهَى غَيْرُهُ وَاتَّقَى وَخَافَ , وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ هَذَا بِهِمْ تَعَدَّوْا عَلَى أَهْلِ الْخَرَاجِ وَاجْتَرَءُوا عَلَى ظُلْمِهِمْ وَتَعَسُّفِهِمْ وَأَخْذِهِمْ بِمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ , وَإِذَا صَحَّ عِنْدَك مِنْ الْعَامِلِ وَالْوَالِي تَعَدٍّ بِظُلْمٍ وَعَسْفٍ وَخِيَانَةٍ لَك فِي رَعِيَّتِك وَاحْتِجَازِ شَيْءٍ مِنْ الْفَيْءِ أَوْ خُبْثِ طُعْمَتِهِ أَوْ سُوءِ سِيرَتِهِ , فَحَرَامٌ عَلَيْك اسْتِعْمَالُهُ وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِ , وَأَنْ تُقَلِّدَهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ رَعِيَّتِك أَوْ تُشْرِكَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِك , بَلْ عَاقِبْهُ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةً تَرْدَعُ غَيْرَهُ مِنْ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمِثْلِ مَا تَعَرَّضَ لَهُ , وَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا مُجَابَةٌ". وَلِاجْتِنَابِ وُقُوعِ عُمَّالِ الْجِزْيَةِ فِي الرِّشْوَةِ وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ , يَصْرِفُ الْإِمَامُ لَهُمْ أُجُورًا ( رَوَاتِبَ ) مُجْزِيَةً تَفِي بِحَاجَاتِهِمْ , وَتَكْفِي نَفَقَاتِهِمْ . وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ حَيْثُ قَالَ:"حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَشْيَاخُنَا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: دَنَّسْت أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا عُبَيْدَةَ إذَا لَمْ اسْتَعِنْ بِأَهْلِ الدِّينِ عَلَى سَلَامَةِ دِينِي فَبِمَنْ أَسْتَعِينُ ؟ أَمَّا إنْ فَعَلْت فَأَغْنِهِمْ بِالْعِمَالَةِ عَنْ الْخِيَانَةِ يَعْنِي إذَا اسْتَعْمَلَتْهُمْ عَلَى شَيْءٍ فَأَجْزِلْ لَهُمْ فِي الْعَطَاءِ وَالرِّزْقِ لَا يَحْتَاجُونَ ."

الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ لِاسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ :

68 -الْقَبَالَةُ ( أَوْ التَّقْبِيلُ ) وَتُسَمَّى التَّضْمِينَ أَوْ الِالْتِزَامَ: هِيَ فِي اللُّغَةِ - بِالْفَتْحِ الْكَفَالَةُ , وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ قَبَلَ بِفَتْحِ الْبَاءِ إذَا كَفَلَ وَقَبُلَ بِضَمِّهَا إذَا صَارَ قَبِيلًا أَيْ كَفِيلًا . قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كُلُّ مَنْ يَقْبَلُ بِشَيْءٍ مُقَاطَعَةً وَكُتِبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابٌ , فَالْكِتَابُ الَّذِي يُكْتَبُ هُوَ الْقَبَالَةُ بِالْفَتْحِ وَالْعَمَلُ قِبَالَةٌ بِالْكَسْرِ ; لِأَنَّهُ صِنَاعَةٌ , وَفِي الِاصْطِلَاحِ: أَنْ يَدْفَعَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ صَقْعًا أَوْ بَلْدَةً أَوْ قَرْيَةً إلَى رَجُلٍ مُدَّةَ سَنَةٍ مُقَاطَعَةً بِمَالٍ يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ عَنْ خَرَاجِ أَرْضِهَا , وَجِزْيَةِ رُءُوسِ أَهْلِهَا إنْ كَانُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ , فَيَقْبَلُ ذَلِكَ , وَيَكْتُبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا . وَقَدْ يَقَعُ فِي جِبَايَةِ الْجِزْيَةِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ ظُلْمٌ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ غَبْنٌ لِبَيْتِ الْمَالِ , وَلِذَلِكَ مَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى مَنْعِهَا , قَالَ أَبُو يُوسُفَ"فَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الْقَرْيَةِ أَنَا أُصَالِحُكُمْ عَنْهُمْ وَأُعْطِيكُمْ ذَلِكَ لَمْ يُجِيبُوهُ إلَى مَا سَأَلَ لِأَنَّ ذَهَابَ الْجِزْيَةِ مِنْ هَذَا أَكْثَرُ لَعَلَّ صَاحِبَ الْقَرْيَةِ يُصَالِحُهُمْ عَلَى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَفِيهَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَنْ إذَا أُخِذَتْ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ بَلَغَتْ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ".

مُسْقِطَاتُ الْجِزْيَةِ:

69 -تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ بِالْإِسْلَامِ , أَوْ الْمَوْتِ , أَوْ التَّدَاخُلِ , أَوْ الْعَجْزِ الْمَالِيِّ , أَوْ عَجْزِ الدَّوْلَةِ عَنْ تَوْفِيرِ الْحِمَايَةِ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ , أَوْ الْإِصَابَةِ بِالْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ , أَوْ اشْتِرَاكِ الذِّمِّيِّينَ فِي الْقِتَالِ , وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ خِلَافٌ يَتَبَيَّنُ بِمَا يَلِي:

الْأَوَّلُ: الْإِسْلَامُ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت