فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 743

29 -سُكْنَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إنْ كَانَتْ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَلَا تَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ . لَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: { أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ قَالَ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ , وَأَجِيزُوا الْوُفُودَ بِنَحْوِ مَا كُنْت أُجِيزُهُمْ , وَسَكَتَ عَنْ الثَّالِثِ } , وَلِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: { لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ } . وَهَذَا الْحُكْمُ وَإِنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ , إلَّا أَنَّ الْخِلَافَ وَقَعَ فِي الْمُرَادِ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ . وَأَمَّا سُكْنَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي غَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَهِيَ جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ الْمَذْكُورِينَ , نَظِيرُ مَا يَدْفَعُونَهُ مِنْ جِزْيَةٍ , عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي:

أَوَّلًا: مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: 30 - إذَا أَرَادَ الذِّمِّيُّ السُّكْنَى مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ سُكْنَاهُ بِالشِّرَاءِ لِدَارٍ , أَوْ بِاسْتِئْجَارِهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ . فَإِذَا أَرَادَ الذِّمِّيُّ أَنْ يَشْتَرِيَ دَارًا فِي الْمِصْرِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُبَاعَ مِنْهُ , وَإِنْ اشْتَرَاهَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا مِنْ مُسْلِمٍ , وَقِيلَ: لَا يُجْبَرُ . وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ: إنْ مَصَّرَ الْإِمَامُ فِي أَرَاضِيهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ - كَمَا مَصَّرَ عُمَرُ رضي الله عنه الْبَصْرَةَ وَالْكُوفَةَ - فَاشْتَرَى بِهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ دُورًا , وَسَكَنُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّا قَبِلْنَا مِنْهُمْ عَقْدَ الذِّمَّةِ , لِيَقِفُوا عَلَى مَحَاسِنِ الدِّينِ , فَعَسَى أَنْ يُؤْمِنُوا , وَاخْتِلَاطُهُمْ بِالْمُسْلِمِينَ وَالسَّكَنُ مَعَهُمْ يُحَقِّقُ هَذَا الْمَعْنَى . وَقَيَّدَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ جَوَازَ السُّكْنَى بِقَوْلِهِ: هَذَا إذَا قَلُّوا , وَكَانُوا بِحَيْثُ لَا تَتَعَطَّلُ جَمَاعَاتُ الْمُسْلِمِينَ , وَلَا تَتَقَلَّلُ الْجَمَاعَةُ بِسُكْنَاهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ . فَأَمَّا إذَا كَثُرُوا عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى تَعْطِيلِ بَعْضِ الْجَمَاعَاتِ , أَوْ تَقْلِيلِهَا مُنِعُوا مِنْ السُّكْنَى , وَأُمِرُوا أَنْ يَسْكُنُوا نَاحِيَةً لَيْسَ فِيهَا لِلْمُسْلِمِينَ جَمَاعَةٌ . قَالَ: وَهَذَا مَحْفُوظٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْأَمَالِي . قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: قَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: إنَّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ , فَلَا نَقُولُ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا , وَلَا بِعَدَمِهِ مُطْلَقًا , بَلْ يَدُورُ الْحُكْمُ عَلَى الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ , وَالضَّرَرِ وَالْمَنْفَعَةِ , وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ . وَإِذَا تَكَارَى أَهْلُ الذِّمَّةِ دُورًا فِي الْمِصْرِ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لِيَسْكُنُوا فِيهَا جَازَ ; لِعَوْدِ نَفْعِهِ إلَيْنَا ; وَلِيَرَوْا أَفْعَالَنَا فَيُسْلِمُوا . وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْكِرَاءِ وَالشِّرَاءِ , فَكُلُّ مَا قِيلَ فِي الشِّرَاءِ يَأْتِي هُنَا فِي الْكِرَاءِ . وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لِصِحَّةِ سُكْنَى الذِّمِّيِّ أَنْ تَكُونَ حَيْثُ يَنَالُهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ , وَلَا يَسْكُنُ الذِّمِّيُّ حَيْثُ يُخْشَى مِنْهُ أَنْ يَنْكُثَ . فَإِذَا سَكَنَ فِي أَمَاكِنَ , بِحَيْثُ لَا تَنَالُهُ أَحْكَامُنَا , فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالِانْتِقَالِ . فَإِنْ أَبَوْا قُوتِلُوا . وَنَقَلَ الْحَطَّابُ قَوْلَ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ: إنَّهُ إذَا أَسْلَمَ أَهْلُ جِهَةٍ , وَخِفْنَا عَلَيْهِمْ الِارْتِدَادَ إذَا فُقِدَ الْجَيْشُ , فَإِنَّهُمْ يُؤْمَرُونَ بِالِانْتِقَالِ .

السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفَّارِ(1):

(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 8828)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت