فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 743

49 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُؤْخَذُ مِنْ الذِّمِّيِّ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي السَّنَةِ وَلَا تَتَكَرَّرُ . وَالسَّنَةُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا هِيَ السَّنَةُ الْقَمَرِيَّةُ ; لِأَنَّهَا هِيَ الْمُرَادَةُ شَرْعًا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ , أَمَّا إذَا عَيَّنَ الْإِمَامُ كَوْنَهَا شَمْسِيَّةً أَوْ قَمَرِيَّةً فَيَجِبُ اتِّبَاعُ مَا عَيَّنَهُ . ( وَقْتُ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ) : 50 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ الِالْتِزَامِ بِالْجِزْيَةِ عَقِبَ عَقْدِ الذِّمَّةِ مُبَاشَرَةً , إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: تَجِبُ بِالْعَقْدِ وُجُوبًا غَيْرَ مُسْتَقَرٍّ وَتَسْتَقِرُّ بِانْقِضَاءِ الزَّمَنِ كَالْأُجْرَةِ , فَكَلَّمَا مَضَتْ مُدَّةٌ مِنْ الْحَوْلِ اسْتَقَرَّ قِسْطُهَا مِنْ جِزْيَةِ الْحَوْلِ , حَتَّى تَسْتَقِرَّ جِزْيَةُ الْحَوْلِ كُلِّهِ بِانْقِضَائِهِ ; لِأَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ مَنْفَعَةِ حَقْنِ الدَّمِ , فَتَجِبُ بِالْعَقْدِ وُجُوبًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ , وَتَسْتَقِرُّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ شَيْئًا فَشَيْئًا كَالْأُجْرَةِ . 51 - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ وُجُوبِ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ آخِرُ الْحَوْلِ . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا وَقَعَ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْجِزْيَةِ , فَقَدْ ضَرَبَهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْمَجُوس بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ , وَلَمْ يُطَالِبْهُمْ بِأَدَائِهَا فِي الْحَالِ , بَلْ كَانَ يَبْعَثُ رُسُلَهُ وَسُعَاتَهُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ لِجِبَايَتِهَا . رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيِّ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا , وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ } . وَتَدُلُّ سِيرَةُ الْخُلَفَاءِ وَالْأُمَرَاءِ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْعَثُونَ الْجُبَاةَ فِي آخِرِ الْعَامِ لِجِبَايَةِ الْجِزْيَةِ . فَبَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَبَا هُرَيْرَةَ إلَى الْبَحْرَيْنِ , فَقَدِمَ بِمَالٍ كَثِيرٍ . وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ حَقٌّ مَالِيٌّ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْحَوْلِ , فَوَجَبَ بِآخِرِهِ كَالزَّكَاةِ . وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ جَزَاءً عَلَى تَأْمِينِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ , فَلَا تَجُوزُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَحَقَّقَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي طُولِ السَّنَةِ . وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ سُكْنَى الدَّارِ فَوَجَبَ أَنْ تُؤْخَذَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ , فَتَجِبُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا كَالصَّلَاةِ , وَلِلْإِمَامِ الْمُطَالَبَةُ بِهَا بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } . فَجَعَلَ إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ غَايَةً لِرَفْعِ الْقِتَالِ عَنْهُمْ ; لِأَنَّ غَايَةَ هَذَا حَقِيقَةُ اللَّفْظِ , وَالْمَفْهُومُ مِنْ ظَاهِرِهِ , أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ: { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ } وَقَدْ حَظَرَ إبَاحَةَ قُرْبِهِنَّ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ طُهْرِهِنَّ , وَكَذَلِكَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ لَا تُعْطِ زَيْدًا حَتَّى يَدْخُلَ الدَّارَ , مَنْعُ الْإِعْطَاءِ إلَّا بَعْدَ دُخُولِهِ , فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ مُوجِبَةٌ لِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ مُزِيلَةٌ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ . وَلِقَوْلِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ: { أَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا صلى الله عليه وسلم أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ } فَوَقْتُ وُجُوبِ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ عَقِبَ الْعَقْدِ مُبَاشَرَةً . وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ بَدَلًا عَنْ الْقَتْلِ فِي حَقِّهِمْ , فَتَجِبُ فِي الْحَالِ كَالْوَاجِبِ بِالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ . وَلِأَنَّ الْمُعَوَّضَ قَدْ سُلِّمَ لَهُمْ , فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَحَقَّ الْعِوَضُ عَلَيْهِمْ كَالثَّمَنِ . وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ بَدَلًا مِنْ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا , وَهِيَ لَا تَتَحَقَّقُ فِي الْمَاضِي , وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ; لِأَنَّ نُصْرَةَ الْمَاضِي يُسْتَغْنَى عَنْهَا بِانْقِضَائِهِ . فَإِذَا تَعَذَّرَ إيجَابُ الْجِزْيَةِ بَعْدَ الْحَوْلِ تَجِبُ فِي أَوَّلِهِ .

تَعْجِيلُ الْجِزْيَةِ :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت