فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 743

38 -الضَّمَانُ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الِالْتِزَامِ , وَهُوَ يَكُونُ بِإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ أَوْ الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِ بِالْغَصْبِ أَوْ السَّرِقَةِ أَوْ بِالتَّعَدِّي فِي الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فِي الْمُسْتَعَارِ وَالْمُسْتَأْجَرِ أَوْ بِالتَّفْرِيطِ وَتَرْكِ الْحِفْظِ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ . يَقُولُ الْكَاسَانِيُّ: تَتَغَيَّرُ صِفَةُ الْمُسْتَأْجَرِ مِنْ الْأَمَانَةِ إلَى الضَّمَانِ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا: تَرْكُ الْحِفْظِ , لِأَنَّ الْأَجِيرَ لَمَّا قَبَضَ الْمُسْتَأْجَرَ فَقَدْ الْتَزَمَ حِفْظَهُ , وَتَرْكُ الْحِفْظِ الْمُلْتَزَمِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ , كَالْمُودَعِ إذَا تَرَكَ الْحِفْظَ حَتَّى ضَاعَتْ الْوَدِيعَةُ . وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ وَالْإِفْسَادِ إذَا كَانَ الْأَجِيرُ مُتَعَدِّيًا فِيهِ , إذْ الِاسْتِعْمَالُ الْمَأْذُونُ فِيهِ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ . وَيَقُولُ السُّيُوطِيّ: أَسْبَابُ الضَّمَانِ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: الْعَقْدُ , وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ ضَمَانُ الْمَبِيعِ , وَالثَّمَنُ الْمُعَيَّنُ قَبْلَ الْقَبْضِ , وَالْمُسْلَمُ فِيهِ , وَالْمَأْجُورُ . وَالثَّانِي: الْيَدُ , مُؤْتَمَنَةً كَانَتْ كَالْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْمُقَارَضَةِ إذَا حَصَلَ التَّعَدِّي , أَوْ غَيْرَ مُؤْتَمَنَةٍ كَالْغَصْبِ وَالسَّوْمِ وَالْعَارِيَّةِ وَالشِّرَاءِ فَاسِدًا . وَالثَّالِثُ: الْإِتْلَافُ لِلنَّفْسِ أَوْ الْمَالِ . وَالرَّابِعُ: الْحَيْلُولَةُ . وَيَقُولُ ابْنُ رُشْدٍ: الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ إمَّا الْمُبَاشَرَةُ لِأَخْذِ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ أَوْ لِإِتْلَافِهِ , وَإِمَّا الْمُبَاشَرَةُ لِلسَّبَبِ الْمُتْلِفِ , وَإِمَّا إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَيْهِ . وَفِي الْقَوَاعِدِ لِابْنِ رَجَبٍ: أَسْبَابُ الضَّمَانِ ثَلَاثَةٌ: عَقْدٌ , وَيَدٌ , وَإِتْلَافٌ . وَفِي كُلِّ ذَلِكَ خِلَافٌ وَتَفْصِيلَاتٌ وَتَفْرِيعَاتٌ تُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهَا .

تَحَقُّقُ الْأَمْنِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ(1)

18 -مِنْ الْمُقَرَّرِ أَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الدُّنْيَا هُوَ عِصْمَةُ النَّفْسِ وَالْمَالِ , لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا , وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ } وَبِهَذَا يَتَقَرَّرُ الْأَمْنُ لِلْمُسْلِمِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ . أَمَّا غَيْرُ الْمُسْلِمِ فَإِنَّهُ يَتَحَقَّقُ لَهُ الْأَمْنُ بِتَأْمِينِ الْمُسْلِمِينَ لَهُ وَإِعْطَائِهِ الْأَمَانَ , لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ هُوَ ثُبُوتُ الْأَمْنِ لِلْكَفَرَةِ عَنْ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَالِاسْتِغْنَامِ , فَيَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَتْلُ رِجَالِهِمْ وَسَبْيُ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَاسْتِغْنَامُ أَمْوَالِهِمْ . وَالْأَصْلُ فِي إعْطَاءِ الْأَمَانِ لِلْكُفَّارِ قوله تعالى: { وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ , ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ } .

19 -وَالْأَمَانُ قِسْمَانِ الْأَوَّلُ: أَمَانٌ يَعْقِدُهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ , وَهُوَ نَوْعَانِ: مُؤَقَّتٌ , وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالْهُدْنَةِ وَبِالْمُعَاهَدَةِ وَبِالْمُوَادَعَةِ - وَهُوَ عَقْدُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ مُدَّةً مَعْلُومَةً - مَعَ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي مِقْدَارِ مُدَّةِ الْمُوَادَعَةِ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَادَعَ أَهْلَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ تُوضَعَ الْحَرْبُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ عَشْرَ سِنِينَ } . وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الْأَمَانُ الْمُؤَبَّدُ , وَهُوَ مَا يُسَمَّى عَقْدَ الذِّمَّةِ , وَهُوَ إقْرَارُ بَعْضِ الْكُفَّارِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِشَرْطِ بَذْلِ الْجِزْيَةِ وَالْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قوله تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } . هَذَا مَعَ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ , هَلْ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ وَيُقَرُّونَ عَلَى حَالِهِمْ أَمْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ , فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قُتِلُوا . وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْأَمَانِ: هُوَ الْأَمَانُ الَّذِي يُصْدَرُ مِنْ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ لِعَدَدٍ مَحْصُورٍ مِنْ الْكُفَّارِ , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ: { الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ , وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ , وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ } . وَأَخْبَارٌ أُخْرَى , وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي ( أَمَانٌ , وَذِمَّةٌ , وَمُعَاهَدَةٌ ) .

(1) - الموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 2242)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت