فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 743

8 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ عَقْدِ الذِّمَّةِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس , كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ لِلْمُرْتَدِّ . أَمَّا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفُوا: فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ: لَا يَجُوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ لِغَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوس , بِدَلِيلِ قوله تعالى: { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } وَهَذَا عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ أَهْلُ الْكِتَابِ بِآيَةِ الْجِزْيَةِ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ , وَخُصَّ مِنْهُمْ الْمَجُوسُ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: { سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ . . . } فَمَنْ عَدَاهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ يَبْقَى عَلَى بَقِيَّةِ الْعُمُومِ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ , وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: يَجُوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ , إلَّا عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ ; لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ لِرَجَاءِ الْإِسْلَامِ عَنْ طَرِيقِ الْمُخَالَطَةِ بِالْمُسْلِمِينَ وَالْوُقُوفِ عَلَى مَحَاسِنِ الدِّينِ , وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ مَعَ مُشْرِكِي الْعَرَبِ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ , وَحَمَلُوا الرِّسَالَةَ , فَلَيْسَ لَهُمْ أَدْنَى شُبْهَةٍ فِي رَفْضِهِمْ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ , فَتَعَيَّنَ السَّيْفُ دَاعِيًا لَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ , وَلِهَذَا لَمْ يَقْبَلْ رَسُولُ اللَّهِ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ . وَفِي الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَجُوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ لِجَمِيعِ أَصْنَافِ الْكُفَّارِ , لَا فَرْقَ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَغَيْرِهِ , وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وَثَنِيٍّ عَرَبِيٍّ , وَوَثَنِيٍّ غَيْرِ عَرَبِيٍّ .

شُرُوطُ عَقْدِ الذِّمَّةِ :

9 -جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ أَنْ يَكُونَ مُؤَبَّدًا ; لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ فِي إفَادَةِ الْعِصْمَةِ كَالْخَلَفِ عَنْ عَقْدِ الْإِسْلَامِ , وَعَقْدُ الْإِسْلَامِ لَا يَصِحُّ إلَّا مُؤَبَّدًا , فَكَذَا عَقْدُ الذِّمَّةِ . وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَصِحُّ مُؤَقَّتًا . وَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْعَقْدِ قَبُولُ وَالْتِزَامُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ , مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَغَرَامَةِ الْمُتْلِفَاتِ , وَكَذَا مَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَهُ كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ , كَمَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ مِنْهُمْ قَبُولُ بَذْلِ الْجِزْيَةِ كُلَّ عَامٍ .

10 -وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ شُرُوطًا أُخْرَى لَمْ يَذْكُرْهَا الْآخَرُونَ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: يُشْتَرَطُ عَلَيْهِمْ سِتَّةُ أَشْيَاءَ:

( 1 ) أَلَّا يَذْكُرُوا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى بِطَعْنٍ وَلَا تَحْرِيفٍ لَهُ .

( 2 ) وَأَلَّا يَذْكُرُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِتَكْذِيبٍ لَهُ وَلَا ازْدِرَاءٍ .

( 3 ) وَأَلَّا يَذْكُرُوا دِينَ الْإِسْلَامِ بِذَمٍّ لَهُ وَلَا قَدْحٍ فِيهِ .

( 4 ) وَأَلَّا يُصِيبُوا مُسْلِمَةً بِزِنًى وَلَا بِاسْمِ نِكَاحٍ .

( 5 ) وَأَلَّا يَفْتِنُوا مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ وَلَا يَتَعَرَّضُوا لِمَالِهِ .

( 6 ) وَأَلَّا يُعِينُوا أَهْلَ الْحَرْبِ وَلَا يُؤْوُوا لِلْحَرْبِيَّيْنِ عَيْنًا ( جَاسُوسًا ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَهَذِهِ حُقُوقٌ مُلْتَزَمَةٌ , فَتَلْزَمُهُمْ بِغَيْرِ شَرْطٍ , وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ إشْعَارًا لَهُمْ وَتَأْكِيدًا لِتَغْلِيظِ الْعَهْدِ عَلَيْهِمْ , وَيَكُونُ ارْتِكَابُهَا بَعْدَ الشَّرْطِ نَقْضًا لِعَهْدِهِمْ . وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ الْحَنَابِلَةِ . وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهَا الْآخَرُونَ لِدُخُولِهَا فِي شَرْطِ الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت